بقلم: د. وحيد عبدالمجيد
لا تلقى طفولة الزعماء، الذين أسهموا فى تغيير مسار التاريخ فى هذا الاتجاه أو ذاك، اهتمامًا يُذكر. نادرًا ما يعنى من يؤرخون لهم أو يكتبون عنهم بطفولتهم رغم أهميتها فى تكوينهم الذى جعلهم زعماء قادرين فى شبابهم وكهولتهم على التأثير.
ومن بين هؤلاء الزعيم ورائد حركة الاستقلال فى الهند المهاتما غاندى الذى روى الكاتب الكبير محمد المنسى قنديل قصته فى مرحلة الطفولة ضمن كتابه المُمتع "عظماء فى طفولتهم" الصادر عن دار الكرمة بالقاهرة. وأهم ما فى هذه القصة أن فكرة المقاومة وُلدت فى عقل غاندى ووجدانه عندما أصيبت والدته بلدغة ثعبان فحملها إلى أقرب مستشفى، ولكن إدارته رفضت السماح بدخولهم لمعالجة المرأة المصابة، وأبلغتهم بأنه مخصص للإنجليز ولا يمكن لأى هندى دخوله. عرف غاندى فى ذلك اليوم وطأة الاحتلال الإنجليزى واستكباره. لم ينس أبدًا ما قاله الضابط الإنجليزى لحارس المستشفى عندما أخبره بأن المرأة يمكن أن تموت، فقد قال له ما معناه أن يُنفذ الأوامر، وأن موت امرأة هندية لا يهم لأن ملايين الهنود أحياء. بكى غاندى كثيرًا فى ذلك اليوم الذى صمَّم فيه على العمل من أجل تحرير الهند، فكانت بداية زعامته للحركة الوطنية التى اعتمدت على منهج اللاعنف أو المقاومة السلمية.. ذلك المنهج الذى ألهم ملايين البشر فى أنحاء العالم. أما أمه فقد رفضت البحث عن مستشفى آخر يقبل معالجتها، وطلبت من ابنها العودة إلى منزلهم. وعندما وصلوا طلبت منه أن يحضر حفنة من طين الأرض ويضعها فى مكان لدغة الثعبان قائلة له ما معناه إن أرض الهند الطيبة هى التى تداوى شعبها.
والأرجح أن غاندى لم ينس أيضًا قولها ذاك طوال مرحلة كفاحه من أجل تحرير الأرض التى قالت أمه إنها طيبة. وظل يذكر أيضًا قولها إن وجود الاحتلال يدنس هذه الأرض الطيبة، فأصر على تحريرها وإعادتها إلى أصحابها، وهو ما تحقق بحصول الهند على استقلالها عام 1947.