توقيت القاهرة المحلي 13:21:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جريمة على طرف اللسان

  مصر اليوم -

جريمة على طرف اللسان

بقلم: فاطمة ناعوت

طفل يتلعثم، فيضحك زملاؤه. وآخر لا ينظر فى عيون الآخرين، أو يضع يديه على أذنيه حين يرتفع الضجيج، أو يكرر حركة نمطية لكى يهدأ، وبين هذا وذاك تتسع قائمة الاختلافات بين البشر لتشمل شكل الجسد، ولون البشرة، وتباين طرائق الفكر والثقافة والعقائد، والعالم يتسع لكل هذا التنوع، فالتنوع الإنسانى ثراءٌ. لكن بعضهم ينصب المحاكم ليدين من ليس نسخة منه.

اليوم الثانى والعشرون من أكتوبر، هو اليوم العالمى للتوعية بالتأتأة، وهو مناسبة تذكّرنا بأن الكلام ليس مجرد كلمات تخرج من الفم؛ بل هو طريق الإنسان إلى الآخرين، ووسيلته للتعبير عن أفكاره ومشاعره، وإثبات حضوره فى العالم. وحين تتعثر الكلمات على لسان شخص يتأتئ، فإن أقل ما يستحقه أن ينتظره الآخرون حتى يكمل جملته، لا أن ينتزعوا منه حق الكلام بالضحك أو المقاطعة أو تقليد صوته.

«التأتأة» قد تكون أحيانًا انعكاسًا لعقلٍ نشط تتزاحم فيه الأفكار، فيرتبك اللسانُ، ويعجز عن ملاحقة ما يدور فى الذهن. وأخبرنا التاريخُ عن علماء وعباقرة كانوا يعانون صعوبات فى التعبير رغم نصاعة عقولهم. ويذكّرنا القرآن الكريم بدعاء سيدنا موسى عليه السلام: «واحلُلْ عقدةً من لسانى، يفقهوا قولى». لم تكن صعوبة الكلام عند النبى الكريم عائقًا لتوصيل عمق الرسالة النبيلة التى حملها لقومه. فلا شىء يدعو إلى الخجل من التأتأة، أو التنمّر على أصحابها. لكننا نجد من يتنمّر ويسخر. وما ينطبق على التأتأة ينطبق على «طيف التوحد»، وغيره من الاختلافات الإنسانية الواسعة؛ التى لا يعانى أصحابها من اختلافاتهم عن «المعتاد»، بقدر ما يعانون من الوصم والتنمّر من أناسٍ يعانون بدورهم فقرًا فى الوعى والتحضر، بل وفى الإنسانية.

فلو تأملنا كلمة «التنمّر» لاكتشفنا فيها ملمحًا من البعد عن جوهر الإنسانية. فالمعجم الوسيط يعرّف الفعل: «تنمّر» بأنه التشبّه بالنَمِر فى طبعه ووحشيته. وكأن اللغة قد التقطت تلك اللحظة التى يستعير فيها الإنسان شراسة الحيوان ليخيف إنسانًا آخر ويُروّعه. لكن النمر لا يُجرّم على طبيعته التى فطره الله عليها؛ أما الإنسان، حين يتوحّش، تبدأ الجريمة، لأن الله لم يفطر بنى الإنسان على الوحشية، بل منحهم القدرة على ضبط النفس وكبح النوازع المؤذية.

لكن السؤال الذى يستحق أن نتوقف عنده: مَن الذى قرر أن هناك صورة واحدة مقبولة للإنسان، من يخرج منها يستحق التصحيح أو السخرية أو الإقصاء؟ كيف تحوّلت العادة إلى معيار، والأغلبية إلى محكمة، والاختلاف إلى تهمة؟ لعلّنا هنا نتذكر العبارة الشهيرة: «عن قرب، لا أحد طبيعى» Up Close، No One Is Normal، التى ارتبطت بحركة إصلاح الطب النفسى المستلهمة من أفكار الطبيب الإيطالى «فرانكو باساليا». فحين نقترب من الإنسان، ونتجاوز الصورة التى اختزلناه فيها، نكتشف كائنًا أعقد من أحكامنا، وأوسع من تصنيفاتنا، وأبعد من أن يُختصر فى نمط واحد.

التنمّر ليس مزحةً بريئة كما يحاول بعضُهم أن يبرر، بل هو اعتداء متعمّد يتخذ أشكالًا عديدة: كلمة جارحة، لقب مهين، تقليد ساخر لطريقة الكلام والمشى، استبعاد من مجموعة أو وظيفة، أو صورة تُنشر على الإنترنت لتحويل إنسان إلى مادة للضحك. التنمّر ليس دلالة قوة، بل دلالة ضعف وعى وأخلاق. والمستهدَف قد يكون عالمًا جليلًا، أو صاحب موهبة استثنائية، أو إنسانًا ناجحًا، لكنه خرج من إطار الصورة النمطية التى يحبس المتنمّرون عقولهم داخلها. فكم من إنسان تعرّض للسخرية بسبب عقيدته أو ملامحه أو أفكاره، لا لنقص فيه، بل لنقص فى خلق المتنمر. التنمّر لا يثبت تفوّق صاحبه، بل يكشف استعداده لإيذاء الآخرين. والمفارقة أن المتنمّر قد يتصور أنه يدافع عن الطبيعى، بينما هو فى الحقيقة يدافع عن حدود خياله؛ فلا يتسع تصوره للإنسان إلا لمن يشبهه. والمؤلم أن نجد من يشرعن التنمّر باسم المزاح، فلا يُساءل المعتدى، بل يُطالَب المجروح بأن يكون أكثر احتمالًا، وأوسع صدرًا، وأقل حساسيةً. وكأننا نطالب الإنسانَ بتحمل الإهانة، بدلًا من مطالبة المجتمع باحترام الاختلاف وتجريم الإهانة.

نحن لا نحتاج إلى عالم متشابه كعيدان الثقاب، بل إلى عالم يتسع للاختلاف لأنه مشيئة الله فى مُلكه. لا نحتاج إلى إجبار من يتأتئ على سرعة الحديث، ولا المتوحد على تغيير نظام عقله كى نقبله. بل نحتاج إلى تعلّم ثقافة الاختلاف. والمسؤولية تبدأ من البيت، ولا تنتهى عند أبواب المدرسة، ولا عند صفحات المنصات الرقمية، بل تمتد إلى العقل الجمعى الذى يحرك المجتمع بأسره.

مقامُ السؤال:

إذا كان الاختلافُ جريمة، فمَن وضع القانون؟ ومَن نصّب القُضاة؟ وكيف لإنسان أن يتوهّم أن صورته هى الصورة الصحيحة للإنسان؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جريمة على طرف اللسان جريمة على طرف اللسان



GMT 10:10 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

واقعيّة أمير قطر… تكامل بدل التّنافس

GMT 10:04 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أعداء الضوء

GMT 09:58 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

العراق يقول: لا حوثي لديّ

GMT 09:54 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الإيرانية المستمرة على العرب!

GMT 09:51 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

إيران... مجتبى ونصيحة كوليريدج

GMT 09:47 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كيف أخفقت الأمم المتحدة في إنقاذ الأجيال من الحروب؟

GMT 09:43 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب ومستقبل لبنان الكبير

GMT 09:17 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

دعم السعودية وحق المصريين فى الفهم

الفستان الأبيض بديل الاختيارات الداكنة في سهرات الخريف

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 03:48 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

بوتين يرفض "الهدنة المؤقتة" ويشترط تسوية نهائية لأوكرانيا
  مصر اليوم - بوتين يرفض الهدنة المؤقتة ويشترط تسوية نهائية لأوكرانيا

GMT 06:24 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%
  مصر اليوم - لقاح تجريبي يقلل خطر عودة سرطان الجلد بنسبة 42%

GMT 06:35 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض
  مصر اليوم - الفنانة نوال الكويتية مفاجأة حفل فضل شاكر في موسم الرياض

GMT 03:33 2026 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

ترامب يطلب من ماسك رفع قيود "ستارلينك" في أوكرانيا
  مصر اليوم - ترامب يطلب من ماسك رفع قيود ستارلينك في أوكرانيا

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 04:15 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الإسماعيلي يؤكد وصول عرض من المصري لضم شيلونجو

GMT 17:54 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

مارك بارترا يرتدي رسميًا قميص ريال بيتيس حتى 2023

GMT 21:30 2020 الثلاثاء ,15 أيلول / سبتمبر

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 04:26 2026 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

بنتلي تطلق أول سيارة رياضية كهربائية بالكامل

GMT 08:28 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

روتين العناية بالبشرة خلال فترة تغيير الطقس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt