بقلم: عبد اللطيف المناوي
فى خضم ما شهدته فرنسا مؤخراً من احتجاجات، تحولت فى بعض المدن إلى أعمال عنف ونهب، انتشرت صورة لافتة: واجهات محال مكسورة، وبضائع تُسرق وتُحمل على عجل، ومكتبة بقيت أبوابها مفتوحة وكتبها فى أماكنها. بدت الصورة كأنها نكتة، لكنها حزينة، اللصوص أخذوا ما يمكن بيعه، وتركوا ما يمكن أن يغيّر صاحبه. لكن الطرافة هنا تخفى سؤالا جادا هو: ماذا تقول لنا هذه المفارقة عن الاحتجاج، وعن علاقتنا بالكتاب، وعن معنى الغضب حين يفقد بوصلته؟
خرج مئات الآلاف إلى الشوارع فى احتجاجات ارتبطت بغلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وأوضاع التعليم. وكان معظم المشاركين سلمياً، لكن مجموعات من مثيرى الشغب استغلت الزحام لاقتحام متاجر وتخريب ممتلكات. وقد تحدثت تقارير عن أضرار واسعة لحقت بالمحال، فيما قدّرت سلسلة «كارفور» خسائرها التشغيلية المحتملة بعشرات، وربما مئات، الملايين من اليوروهات.
أما المكتبة التى قيل إن أحدًا لم يمسها، فينبغى ألا نُحمّل صورتها أكثر مما تحتمل، فالمشهد المتداول لا يكفى وحده لإثبات أن الكتب نجت احتراماً لقيمتها، أو لأن المحتشدين قرروا عقد هدنة معها. ربما لم تكن فى طريقهم، وربما لم يروا فيها ما يستحق السرقة، أو لم يجدوا فيها شيئًا يمكن تحويله سريعاً إلى مال.. لكن الصورة، حتى إن لم تكشف نياتهم، تكشف مفارقة تستحق التأمل، فى لحظة يختلط فيها الاحتجاج بالغضب والفرصة، يبدو أن بعض الأشياء تُقاس بقيمتها الفورية، لا بما تمثله على المدى البعيد.
ليس من العدل أن نختصر المتظاهرين فى اللصوص، ولا أن نخلط بين مطالب اجتماعية حقيقية وبين من يركبون موجة الاحتجاج للنهب والتخريب. فالخلط يسىء إلى الناس الذين خرجوا للتعبير عن ضيقهم، ويمنح العنف فرصة لتشويه كل مطلب مشروع. لكن حماية الاحتجاج من هذا الاختطاف لا تكون بتبرير التخريب، بل بالتمسك بالفارق بين من يرفع مطلب عام، ومن يمد يده إلى متجر خاص.
وهنا تصبح المكتبة رمزا، لا دليل إدانة. قد تكون نجت لأن الكتب لا تغرى من يبحث عن مكسب سريع، لكنها تذكرنا بأن ما لا يُسرق فى لحظة الفوضى قد يكون، على المدى الطويل، أكثر ما تحتاج إليه المجتمعات الغاضبة، معرفة تساعدها على فهم أسباب أزماتها، وعلى التمييز بين من يستثمر غضبها ومن يعمل على معالجة أسبابه.
فى الصورة شىء يدعو إلى ابتسامة مرة، سرقوا البضائع وبقيت الكتب كما هى. ما ينبغى أن يبقى أن نفهم كيف نصل إلى لحظة يصبح فيها الغضب أعلى صوتًا من الفكرة، ويكون كسر الواجهة أسهل من فتح كتاب؟ فرنسا لا تواجه أزمة نهب فقط، إنها تواجه اختبارا أصعب، أن تستعيد الثقة، وتحمى حق الاحتجاج، وتمنع اليأس من أن يتحول إلى فوضى.