بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لا يكتمل الاستقلال السياسى لأى دولة إذا لم يواكبه استقلال اقتصادي. فالاستقلال السياسى يبقى منقوصًا إلى أن يتحقق الاستقلال الاقتصادي. لا يعنى هذا الاستقلال قطيعةً مع الاقتصاد العالمى بل يعنى تفاعلاً إيجابياً معه تأثيرًا وتأثرًا. هذا ما تثبته تجارب كثير من الدول. ولمصر تجربة رائدة فى هذا المجال. فقد أنتج بزوغ الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال زعيمين، قاد أحدهما النضال السياسي، بينما أخذ الثانى على عاتقه وضع الأساس الضرورى للاستقلال الاقتصادي. ففى الوقت الذى شرع سعد زغلول ورفاقه فى التحرك سعيًا إلى التحرر من الاستعمار البريطاني، كان طلعت حرب قد بدأ عمله الكبير من أجل الاستقلال الاقتصادي. فعندما نذكر طلعت حرب تتداعى إلى الذاكرة قصة كفاح عظيمة فى هذا المجال. فقد أدرك مبكرًا أن أحد أكثر ما تحتاجه مصر أن يكون لها اقتصادها المستقل، ورأى أن الخطوة الأولى هى إنشاء بنك مصرى وطني. وكان عليه أن يخوض معركة ضد الاحتلال البريطانى الذى حاول مقاومة مشروعه لتأسيس بنك مصر. ولكنه نجح فى إنشائه عام 1920. ولعب هذا البنك الدور الذى أراده له طلعت حرب، إذ قام بتمويل مشاريع اقتصادية استقلالية كبيرة، منها على سبيل المثال فقط شركة مصر للغزل والنسيج التى استهدفت إنقاذ القطن المصرى من سيطرة الاحتكارات البريطانية، واستخدامه لرفع اسم مصر الذى سعى الاحتلال إلى خفضه. وكان طلعت حرب هو أيضًا رائد صناعة السينما المصرية من خلال شركة مصر للتمثيل والسينما التى أنشأت استوديو مصر، وأُرسلت بعثات إلى فرنسا وألمانيا لكى يدرس المبعوثون فيها فن السينما على أسس علمية. ولم يكن طلعت حرب رائدًا اقتصاديًا عظيمًا فقط، ولا كان مؤسِسًا لاستقلال مصر الاقتصادى فحسب. كان رجل فكر وقلم أيضًا. فقد شارك فى نقاشات وسجالات عدة، وجمع إسهاماته المهمة خلالها فى كتب، من أهمها «تربية المرأة والحجاب»، و«علاج مصر الاقتصادي»، و«البراهين البينات على تعليم البنات»، و«تاريخ دول العرب والإسلام»، وغيرها.