بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
مع حلول الذكرى التسعين لمعاهدة 1936 نستذكر منهج الحركة الوطنية المصرية فى مواجهة الاحتلال البريطانى، خاصةً فى موجتها الأكبر التى بدأت بثورة 1919. فرغم الطابع الثورى لبدايتها فى مارس 1919، فقد اتسمت بالتدرج فى خطواتها اعتمادًا على المقاومة السلمية عبر حشد الشعب وإذكاء روح الجهاد فيه والاعتماد على المفاوضات التى تعددت وصولاً إلى تلك التى أنتجت معاهدة 1936.
كان الضغط المتزايد للحركة الشعبية السلمية فى الجامعات والمصانع وحركة الأحزاب وفى مقدمتها حزب الوفد الأثر الأكبر فى الوصول إلى تلك المعاهدة، دون أن ننسى تداعيات التوتر الدولى وتنامى توقعات نشوب حرب عالمية ثانية. فقد سعت حكومة محمد نسيم باشا بدعم من حزب الوفد إلى ترتيبات جديدة لتفادى آثار الحرب التى كانت متوقعة مثلما حدث فى الحرب الأولى حتى لا ينساق المصريون إلى ميادين القتال مع الإنجليز، وتُستخدم موانى مصر ومطاراتها وثكناتها قهرًا وغلابًا على حد تعبير زعيم الوفد مصطفى النحاس فى خطاب ألقاه فى أواخر 1935,
لم تحقق المعاهدة الاستقلال السياسى والاقتصادى كاملاً، ولكنها كانت أكبر خطوة خطتها الحركة الوطنية حتى ذلك الوقت. ومن أهم ما ترتب عليها إجلاء القوات البريطانية من أرجاء البلاد مع احتفاظها بنقاط عسكرية فى منطقة قناة السويس، وسحب جميع الموظفين الإنجليز من الجيش المصرى وإلغاء وظيفة المفتش العام وخروج العنصر الأجنبى من الشرطة فى غضون خمس سنوات، والاعتراف بأن أرواح الأجانب مسئولية الحكومة المصرية دون سواها. كما تضمنت المعاهدة إلغاء الاتفاقات والإعلانات المنافية لها بما فيها تصريح 28 فبراير بتحفظاته الأربعة، وحصول مصر على حرية عقد المعاهدات مع الدول الأجنبية بشرط ألاَّ تتعارض مع هذه المعاهدة. كما حصلت مصر على إلغاء الامتيازات الأجنبية إلغاءً تامًا، وعلى الحق فى إعادة قواتها إلى السودان مع الاعتراف بالإدارة المشتركة للأوضاع فيه.
وبموجب تلك المعاهدة انضمت مصر إلى عصبة الأمم فى مايو 1937 وصارت عضوًا فى المجتمع الدولى.