بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
ربما يبدو غريبًا أن تحدث فى عالمنا الراهن ممارسات تُذكرنا بفظائع هولاكو والمغول، بل تزيد عليها، فى وجود قانون دولى ومحاكم أممية. فالقوانين والمحاكم لا تحل محل الضمير الإنسانى النائم الآن إلا قليلاً. الصمت على جرائم إبادة وأخرى ضد الإنسانية يشجع من يقترفونها. والتنديد اللفظى بها دون اتخاذ أى إجراء تجاهها لا يفيد فى شىء. فهذا كلام يُقال ثم يمضى قائله إلى حال سبيله، وقد يعود فيكرره. فيبدو حديثه عن واقع دموى فى قطاع غزة، وعموم فلسطين، على سبيل المثال كما لو أنه كلام عن فيلم سينمائى مأساوى، أو ربما عن عمل درامى مسلسل يتابع من يكتفون بالكلام أحداثه مثلما يفعل مئات الملايين الذين يتابعون الدراما الطويلة المتعددة الأجزاء. فهم قد يتفاعلون معها، وربما ينفعلون بها، ثم يمضى كل منهم إلى حال سبيله والاهتمام بما يشغله إلى أن يحل موعد الحلقة التالية. وحين يزداد مثل هذا الانفصام لا تُسمع حتى استغاثات العاملين فى مجال الإغاثة فى قطاع غزة والسودان وغيرهما ممن لا يجدون مُغيثًا.
قد يبدو هذا غريبًا، ولكنه فى الحقيقة جزء من مسار التاريخ الذى لم يمض أبدًا فى اتجاه واحد أو خط صاعد، بل شهد تذبذبات وتراجعات وانقطاعات. ولذلك لا يثير ارتداد عالمنا فى الزمن الراهن إلى حالة وحشية، استغراب إلا من يقعون فى أسر تصور خطى للتاريخ يقود إلى الانفصال عن عالم الواقع، وربما الاستغراق فى عالم اليوتوبيا. فقد كانت صعبة، ومازالت، عملية «أنسنة» العالم التى تمضى فى خط متذبذب تقدمًا وتأخرًا. وإذا افترضنا أن هذه العملية ستصل إلى مبتغاها فى يوم ما ستستغرق وقتًا طويلاً للغاية، ولن يكون الارتداد الراهن هو الأخير فيها. إنه مؤلمُ حقًا ومُحزن أن يكون القتل حدثًا عاديًا، ولكنه جزء من ديناميكية التاريخ فى مرحلته الراهنة التى سيكون لها ما بعدها سواء أفضل أو أسوأ منها.