توقيت القاهرة المحلي 07:17:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كنوز مبعثرة!

  مصر اليوم -

كنوز مبعثرة

حسن البطل


تقول الأسطورة:
قوم من الأقوام البائدة (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) أعلوا تمثالاً جسيماً.. وفاخراً:   مكان عينيه وضعوا ماستين وهاجتين. سكبوا وجهه من ذهب خالص. صنعوا جذعه من البرونز، وجعلوا له يدين من نحاس، وحوضاً من حديد، وساقين من حجر.. وأخيراً، قدمين من فخّار.  
تقول الأسطورة:
ضربت الأرض زلزلة ما، أو ضربت التمثال صاعقة من السماء .. فإذا بتلك العجيبة وقد اختلط ماسها بذهبها، حديدها بترابها..
.. ومنذ ذلك الوقت، يواصل ابن آدم التنقيب عن الماس ليصقله، وعن التبر ليصوغه؟!
*  *  *                                  
تذكرت هذه الأسطورة، وأنا أتصفح «الكنوز» التي تركها وراءه شاعرنا ابراهيم طوقان، كما جمعها الشاعر المتوكل طه.  
تمنحك تلك «الكنوز» متعة قراءة سوسيولوجية لـ «ظرف مكان/ زمان» فلسطيني، لكنها تطرح أسئلة وجيهة عن علة «تقديس» ما ندعوه «رموزنا» الثقافية.. حتى في «إبداعاتهم»!   
كنوز «شاعر الحب والثورة» نبّشها ووضّبها المتوكل، دون «انتقائية في التراث» علّل محاذيرها. لكن، هل أن حُكم الذي يلتقط التبر من هنا، والحجر الماسي من هناك، هو حُكم «المحقّق»، أم أن اللاانتقائية في التراث، تسمح بانتقائية وحيدة: «أن يكون عقلك وقلبك على هذه الأمة « كما يقول المتوكل في توطئته لـ «الكنوز».   
ربما الذائقة الشعرية هي التي تتبدل، فلا ترى في «شاعر الحب والثورة « سوى شاعر «الثورة»، صاحب الرباعيات الشهيرة: («الثلاثاء الحمراء»، «موطني»، «الشهيد»، «الفدائي»). النبض في هذه القصائد يضرب على وتر ذائقة وطنية - حماسية لا تزال لهّابة حتى الآن. وأما الذائقة الشعرية؟!!
*  *  *                                  
ربما وجدتُ «التبر» في نثر ابراهيم طوقان لا شعره، وظرافته في اسلوبه.. ولمحات من تنبؤاته العلمية بأن يأتينا، بعد قرن (ابراهيم طوقان 1905 - 1941) يصير فيه الورق ثميناً، فلا نحشوه بالغثّ من الأفكار.. أو توضيب الأفكار لا إنتقائياً؟!  
« سئل الشاعر محمد بن مناذر: أي الشعراء أحب اليك؟ أجاب: الشاعر الذي أنا فيه « (ص62).  
ربما وجد زميلنا المتوكل بعضاً من نفسه في شاعرنا ابراهيم طوقان، فجمع لنا «كنوزه»، سواء منها الثمين أو «سقط المتاع» فأعطانا مصدراً يمكن أن يبني عليه أديب «مُحقّق» في وقت لاحق، يتفرغ لصقل الماس، وصياغة التبر ذهباً مشغولاً بدقة.. وربما تكرير النفط الخام الى أصنافه. فعلى «المحقق» أن يكون كل ما سبق.. وإلاّ، فعلى القارئ أن يتعب ليغربل عناصر «التمثال» الذي رفعه لشاعرنا ابراهيم طوقان!
الجهد ملحوظ ومشكور، و»اللاتدخل» ملحوظ جداً، لكن عندما يتدخل المتوكل لا يوفق في ذلك دائماً: في (ص41) تساءل عن هفوة طوقان، الذي كتب «اللذين» بدل «الذين».. لكن في تدخل آخر (ص37) نسي كل الكلمات العامية في رسالة ابراهيم لشقيقته فدوى، وانتبه الى «إنشا الله» بدل «إن شاء الله»!
حرْص طوقان على ماله يبدو «جاحظياً»: ففي رسالته الى قدري يسأله : «هل تذكر في حياتك أنك ظفرت بقرش مني» وفي بعض شعره يبدو «إباحياً» ؛ وبعض نثره يبدو «واعظاً « أخلاقياً !
وهناك، أدبياً، قصة انتحال الشاعر «الأخطل الصغير» (بشارة الخوري) قصيدة «موطني» لشاعرنا طوقان، مثبّتة بمقارنة نصيّة.. أبعد ما تكون عن «التخاطر»، الذي نجده في بعض شعر طوقان من شعراء عرب سابقين زمن الجاهلية.
ثمة آراء لطوقان تبدو «غير ديمقراطية «: «لا يزال المسلمون يقومون بواحد ويقعدون بموته» (ص32).الى شعره ونثره، هناك كونه صحافياً (صحفاً وإذاعة)، ومحرراً أدبياً، ومذيعاً. هنا تعثر على «كنز» حقيقي:في حديثه من إذاعة فلسطين 2/7/1940 مع المهندس ميشال سماحة، نكتشف شيئاً مدهشاً: تعاونت الأوقاف الاسلامية مع سكان المستعمرات اليهودية لتجفيف وادي الفالق (بين يافا وطولكرم) بكلفة 22 ألف جنيه فلسطيني، نصفها من الحكومة والباقي من الأوقاف والمستعمرات اليهودية. بذلك، تم القضاء على «الملاريا» في المنطقة، قبل أن تنجح اسرائيل بتجفيف بحيرة الحولة، سوى أن مشروع الفالق يبدو أنجح بكثير.. لأنه تم «على أحدث طريقة فنية لم تتبع إلا في أميركا وحدها « فصارت 8 آلاف دونم أرضاً زراعية ممتازة، بعدما كانت موبوءة بالملاريا، و40 ألف دونم أخرى صارت صالحة للسكن والاستغلال، وتعطي ثلاثة مواسم بدلاً من موسم واحد: «ست ملفوفات انحشرت في مقعد خلفي يتسع ثلاثة ركاب» (ص179).
*  *  *                                  
هناك «كنوز» حقاً جمعها المتوكل طه، وترك للقارئ عناء أن التقاطها.. أو ترك للباحث أن «يحقق» ما «جُمع» بين دفتي كتاب.
ملاحظة أخيرة: نعامل «رموزنا» الثقافية بكل الاحترام، لكن نعامل «رموزنا» السياسية بموضوعية أكثر.. لا تخلو من «التحامل» أيضاً.

حسن البطل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كنوز مبعثرة كنوز مبعثرة



GMT 07:17 2026 السبت ,02 أيار / مايو

الاستخدام السياسى للكرة!

GMT 07:15 2026 السبت ,02 أيار / مايو

إلى متى تستمر حالة «اللا حسم»؟

GMT 07:13 2026 السبت ,02 أيار / مايو

الحمد لله.. قدّر ولَطَف!

GMT 07:11 2026 السبت ,02 أيار / مايو

القواعد الأجنبية !

GMT 07:09 2026 السبت ,02 أيار / مايو

إسرائيل بين البقاء والنهاية

GMT 07:08 2026 السبت ,02 أيار / مايو

الإسكوا .. ورؤية 2045

GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:50 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:29 2019 الثلاثاء ,29 كانون الثاني / يناير

تصميمات داخلية للمنزل المتواضع مع درجات ألوان مُحايدة

GMT 00:01 2025 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

الإسماعيلى ينتظر رد فيفا من أجل رفع إيقاف القيد مجددا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt