توقيت القاهرة المحلي 15:06:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حصاد الحقل الذي جاء على غير حساب البَيْدر

  مصر اليوم -

حصاد الحقل الذي جاء على غير حساب البَيْدر

بقلم: سليمان جودة

كنا في أكتوبر (تشرين الأول) من كل سنة نجد أنفسنا على موعد مع الاحتفال بذكرى السادس منه، فهي ذكرى بقيت، وأظن أنها ستبقى، مما يبعث الأمل في نفوس العرب.

وإذا كنت قد قلت إننا كنا نفعل كذا، فلأننا ابتداءً من هذه السنة سنجد أنفسنا على موعد مع يومين في الشهر نفسه، أحدهما السادس من الشهر، وثانيهما السابع منه، ففيه من السنة الماضية أطلقت كتائب عز الدين القسام «طوفان الأقصى»، الذي لا تزال تداعياته تفيض على المنطقة وربما على العالم من وراء المنطقة في كل اتجاه.

ما بين السادس من هذا الشهر في سنة 1973، والسابع منه في السنة المنقضية، فارق باتساع المسافة بين السماء والأرض. ولماذا لا يكون الفارق هكذا، بينما نرى بأعيننا ماذا أصاب الأشقاء الغزاويين في فلسطين، وماذا يصيب الإخوة في لبنان؟

الفارق بين اليومين هو الفارق بين عمل مدروس أدى إلى تلقين الإسرائيليين درساً غير مسبوق، وبين عمل آخر غير مدروس أدى إلى ما أدى إليه على مدى السنة الكاملة، ما دامت حكومة نتنياهو في تل أبيب قائمة في مقاعدها، وما دامت واشنطن غارقة في أجواء حملتها الانتخابية.

لقد وقف نتنياهو يخطب أمام الأمم المتحدة يوم 27 سبتمبر (أيلول) المنقضي، فقال إن بلاده تحارب على ست جبهات، ثم راح يعدِّد الجبهات التي يقصدها واحدة من وراء الأخرى. لقد بدأ من جبهة قطاع غزة، ثم مضى بعدها يذكر جبهة جنوب لبنان، ومن بعدهما جبهة جماعة الحوثي في اليمن، وجبهة الضفة الغربية، والجبهة السورية حيث توجد فصائل موالية لإيران، وأخيراً جبهة العراق حيث توجد فصائل مماثلة. أما هذه الفصائل الأخيرة التي تسمي نفسها فصائل المقاومة الإسلامية، فكانت قد قالت إنها سوف تستهدف إسرائيل بالهجوم، وإنها تُعد العُدة لذلك، وإنها ستهاجم الإسرائيليين انتصاراً للفلسطينيين الذين عاشوا ويعيشون الموت في القطاع طوال السنة التي انقضت على إطلاق الطوفان، وقد استهدفت بالفعل أربعة مواقع إسرائيلية.

فهل كان نتنياهو يُحصي هذه الجبهات على أساس أنه سيعمل على واحدة جديدة منها كلما فرغ من التي تسبقها؟ هذا سؤال له وجاهته، لأنه لا أحد في مقدوره التكهن بالطريقة التي يفكر بها رجل منفلت مثله من كل عقال.

إطلاق السادس من أكتوبر 1973 كان عن إدراك بحدود ما سوف يكون من بعده، وكان عن استعداد لتحقيق أهداف محددة من ورائه، وكان السادات الذي أطلقه يعرف أن الأمور بخواتيمها، ولذلك، فإن خاتمته كانت في التاسع من مارس (آذار) 1989، عندما جرى استرجاع طابا بوصفها آخر ما تبقى من أرض سيناء لدى المحتل.

إطلاق ذلك اليوم في تاريخه كان عن بينة بأنه مُفتتح، وأنه باب سوف يقود إلى أبواب تالية، وأنه خطوة أولى في مسيرة دامت 16 سنة من 1973 إلى 1989. فلما جاء يوم استرداد طابا كان هو الخاتمة لليوم الذي أطلق المسيرة.

أما السابع من أكتوبر فتشعر حين تسترجعه بأنه جاء كأنه طلقة في الهواء، وهي طلقة أحدثت من الصخب في المنطقة ما لم تُحدثه طلقة مماثلة، وأيقظت فتنة كانت نائمة في تل أبيب، ولم تحرر أرضاً ولا طردت محتلاً. هذا ما نراه بحساب الواقع أمامنا، وهذا ما نعاينه كلما حانت منَّا التفاتة في أي ركن من أركان منطقتنا التعيسة بوجود هذا المحتل فيها.

لا شك في حُسن نيات الذين أطلقوا «الطوفان» من الفلسطينيين، ولكنَّ حُسن النية لا يكفي وحده للوصول إلى ما يبغيه صاحب النية الحسنة، وإذا كان قد قيل إن الطريق إلى النار مفروش بالنيات الحسنة، فهذا قول يختصر المعنى ويوجزه على أفضل ما يكون الإيجاز.

إن النية رغبة في فعل، ولكنها ليست فعلاً في حد ذاته، وإذا لم تتوفر لها من الأسباب ما يكفل نجاح الفعل، فإنها تُفضي إلى ما أفضى إليه إطلاق الأقصى بغير تقدير لعواقبه، وبغير استعداد لمقتضيات كان لا بد أن تكون حاضرة عند إطلاقه، وإلا، فأمامنا الخريطة نستطيع أن نتطلع إليها لنرى من أين انطلق «الطوفان» قبل سنة بالتمام، ثم أين تفرعت وتوزعت عواقبه من غزة، إلى الضفة، إلى جنوب لبنان، إلى اليمن...

هنا يكمن الفارق بين اليومين في الشهر نفسه: يوم في 1973 بدأ نيةً لدى صاحبه، وحين اقترن بفعل فإنه قام على برنامج عمل جرى إعداده بعناية. ثم يوم آخر بدأ نيةً أيضاً لدى أصحابه في «كتائب القسام»، ولكنه عندما اقترن بفعل خانه التقدير ففاض حتى أغرق «الكتائب» نفسها ولا يزال يُغرقها بما لم تكن تتحسب له ولا تتوقعه، ولو أنها تحسبت أو توقعت لكانت قد أعادت الطرح والجمع في أوراقها، لعل حصاد الحقل يأتي على حساب البيدر، كما يقول إخواننا في أرض الشام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حصاد الحقل الذي جاء على غير حساب البَيْدر حصاد الحقل الذي جاء على غير حساب البَيْدر



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة

GMT 13:27 2019 الإثنين ,24 حزيران / يونيو

تسريب بعض مواصفات هاتف "Xiaomi" الأكثر تطورًا

GMT 19:26 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

ليلى علوى تبدأ تصوير دورها في فيلم "التاريخ السري لكوثر"

GMT 08:47 2023 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

لماذا أكتب لك؟؟ وأنت بعيد!!
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt