توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عبقرية الحسابات العمياء

  مصر اليوم -

عبقرية الحسابات العمياء

بقلم : جمعة بوكليب

يعدُّ التقدمُ الإنسانيُّ في مجالَي العلوم التطبيقية والتكنولوجيا اليوم مظهراً مثيراً للدهشة ومفخرةً حقيقية للعقل البشري. ولعلَّ آخرَ هذه الإنجازات قد تجلّى في نجاح مهمة المركبة الفضائية الأميركية «أرتيميس2»، التي استطاعتِ الوصولَ إلى القمر، والدورانَ حول وجهه غير المرئي، والعودةَ بسلام إلى الأرض، فاتحةً بذلك أفقاً جديداً أمام الإنسان في سعيه للوصول إلى كواكب أخرى أبعد وأعظم. هذا التفوق التقني هو ذاته الذي منح البشرية رفاهية غير مسبوقة في شتّى مجالات الحياة، إلا إنّه، وبكل أسف، في الوقت ذاته، يبقى سلاحاً ذا حدّين.

المفارقة العلمية تكمن في قدرة الإنسان على تحوير العلم إلى أداة بناء، أو دمار، أو الاثنين معاً في آن، وفق ما تقتضيه المصلحة. وعلى سبيل المثال، فإنَّ الذرةَ التي تضيء المدن بكهربائها هي ذاتها التي تهدد بنسفِ الحضارة الإنسانية في لمح البصر، وردِّ الإنسان إلى العصر الحجري، والمختبرَ الطبي الذي يسابق الزمن بتجاربه لصناعة الدواء هو نفسه الذي قد يطور الفيروسات الفتاكة. هذا الانقسام الأخلاقي لدى الإنسان وفي إبداعاته التكنولوجية يطول اليوم الذكاءَ الاصطناعي، الذي برز بقوة في السنتين الأخيرتين ممثلاً قفزةً نوعية مدهشة... فهو بقدر ما يسهم إيجاباً في تشخيص الأمراض المستعصية، وتطوير الأدوية بسرعة فائقة، وإيجاد حلول مبتكرة لأزمات المناخ، فإنه يُعدّ سلاحاً فتاكاً آخر يهدد الإنسانية... نُذر كوارثه لاحت وبدأت تفرض حضورها، وبسرعة، في النشاط الاقتصادي. حيث بدأنا نتابع في وسائل الإعلام ما يُنشر من تقارير إخبارية بشأن شركات كبرى عدة بدأت الاستغناء عن أعداد هائلة من العاملين بها لمصلحة الذكاء الاصطناعي الذي أثبت أنه أكفأ وأرخص من البشر وأقل مشكلات.

أما من الناحية العسكرية، وهي الأخطر، فقد تحول الذكاء الاصطناعي في الحرب الأوكرانية - الروسية، وفي الصراعات الإقليمية الأخرى، سلاحاً فتاكاً. لقد تحولت الميادين الحربية خلال السنوات الخمس الأخيرة مختبراتٍ مفتوحةً لتجارب الشركات المصنّعة للمسيّرات الحربية بما يتسق ويتوافق مع تعقيدات مجريات المعارك. استطاعت أوكرانيا؛ بسبب تقدمها في صناعة المسيّرات واستخدامها، تعويضَ العجز في قواتها المقاتلة، وصدَّ القوات الروسية بفاعلية عسكرية ملحوظة. وقرأتُ مؤخراً تقريراً مطولاً منشوراً في صحيفة «ذا نيويورك تايمز» عمّا يحدث في مختبرات المصانع العسكرية من تجارب تتعلق بصناعة مسيّراتٍ ذاتية بالكامل، قادرةٍ على اختيار وتحديد أهدافها وتدميرها من دون أي تدخل بشري.

قبل ذلك التقرير، نشرت وسائل إعلام دولية تقريراً مثيراً للاهتمام بشأن تصريح أدلى به الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مؤخراً يكشف فيه عن تطور عسكري مرعب؛ حيث أكد أنَّ «روبوتاتٍ» عسكريةً أوكرانيةً (جنوداً آليّين) هاجمت موقعاً روسياً واقتحمته وأسرت جنوده. الصور الموثقة لتلك العملية، التي تُظهر جنديين آليين يشهران السّلاح في وجهَيْ جنديين روسيين يرفعان أيديهما عالياً استسلاماً، تضعنا أمام حقبة تاريخية مخيفة.

نحن - أقصد الإنسانية - ندخل الآن، وأعيننا مفتوحة، حقبة تاريخية قد تقود إلى ظهور «استعمارٍ أو احتلالٍ رُوبُوتِيّ»؛ حيث، من الناحية النظرية، يمكن للدول المتقدمة تقنياً غزو بلدان أقل تطوراً بجيوش من الروبوتات والمدرعات والفرقاطات المسيّرة ذاتياً. وإذا كان الهدفُ المعلَن من اللجوء إلى استخدام الروبوتات والآليات المسيّرة ذاتياً هو حمايةَ أرواح جنود الدولة الغازية، فإن الطرف المقابل سيبقى عرضة للهلاك المحتم، إلا إذا تحوّل هو الآخر إلى «مجتمع من الروبوتات».

اللافت في الأمر أنَّ التكنولوجيا التي تصنع الروبوت وتزوده بعقل آلي يمكّنه من تمييز ملامح جندي في خندق، هي ذاتُها التي مكّنت المركبة الفضائية «أرتيميس2» من تمييز تضاريس القمر بدقة متناهية. إنها، إن أمكن الوصف، «عبقرية الحسابات»؛ تلك القوة الرياضية الهائلة والمثيرة للدهشة، لكنها في جوهرها تختلف عن عبقرية صانعها الإنسان بأنها «عمياء أخلاقياً»؛ أي إنها تفتقر إلى البصيرة الأخلاقية ويعوزها الحس الأخلاقي... ودقة حساباتها المثيرة للدهشة لا تفرّق بين غزو الفضاء لخدمة العِلم، وغزو الإنسان واحتلال أرضه لسلب إرادته وحياته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عبقرية الحسابات العمياء عبقرية الحسابات العمياء



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt