توقيت القاهرة المحلي 10:49:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

يحدث فى الكوكب الآخر

  مصر اليوم -

يحدث فى الكوكب الآخر

فهمي هويدي

رفضت هيئة الإذاعة البريطانية (بى. بى. سى) دعوة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون إلى عدم استخدام اسم الدولة الإسلامية فى تسميتها لتنظيم «داعش». ورد المدير العام للهيئة تونى هول هذه الدعوة فى مقال له، نشر يوم السبت (٤/٧)، بقوله: إن بى بى سى عندما تعرف مجموعة أو مؤسسة فإنها تأخذ فى الاعتبار كيفية تعريفها لنفسها، مشيرا إلى إدراك الهيئة أن استخدام اسم الدولة الإسلامية وحده يعنى وجود هذه الدولة والاعتراف بشرعيتها، وهذا تعبير غير دقيق.. لذلك فإن الهيئة سوف تستخدم من الآن فصاعدا اسم الدولة الإسلامية «المزعومة»، لافتا إلى أن استخدام كلمة «داعش» قد يوحى بأن الهيئة تدعم التنظيم، وهو أمر مخالف لمبدأ الحياد الذى تحرص الإذاعة على الالتزام به.

كان كاميرون قد انتقد فى حديث لإذاعة بى بى سى جرى بثه فى ٢٩ يونيو الماضى هيئة الإذاعة البريطانية لوصفها تنظيم داعش بالدولة الإسلامية، قائلاً: إن التنظيم ليس دولة إسلامية وإنما هو نظام رهيب وهمجى، وبعدما أعلن موقفه وجه ١٢٠ نائبا فى مجلس العموم رسالة إلى الإذاعة المذكورة قالوا فيها إنه «من الواجب عدم استخدام الدولة الإسلامية لأنه يعنى إضفاء الاحترام على المتطرفين الإسلاميين بلا داعٍ»، وطالبوا باستخدام داعش عوضا عنه.

ملاحظة رئيس الحكومة البريطانية مهمة فى ذاتها، ورد مدير الإذاعة البريطانية أهم فى دلالته، فالرجل ــ ديفيد كاميرون ــ على حق فى تحفظه على تسويق مصطلح الدولة الإسلامية، لأنه بالفعل تعبير مضلل وزائف، يشوه الإسلام ويوجه إليه إهانة بالغة. ليس أمام الغربيين فحسب وإنما أمام المسلمين أيضا. (بالمناسبة فإنه من المؤسف والمخجل فى ذات الوقت أن بعض الخصوم فى مجتمعاتنا العربية تصيدوا ممارسات داعش واعتبروها نموذجا يسعى الإسلام السياسى لفرضه. وفى سعيهم لتصفية حساباتهم المحلية وتخويف الناس من الإسلام السياسى، فإنهم ذهبوا إلى أن النموذج الذى قدمته داعش هو المثل الذى يتطلع الجميع لاحتذائه). ولست أشك فى أن رئيس الوزراء البريطانى حين أبدى تحفظه ووجه باستخدام مصطلح «داعش» لم يكن يدافع عن صورة ومفهوم الدولة الإسلامية، وأرجح أنه عارض استخدام تلك اللافتة لكى لا تشكل عنصر جذب لشباب وفتيات المسلمين فى بريطانيا، الذين التحق بعضهم بالفعل بصفوف داعش تأثرا بجاذبية فكرة الخلافة والدولة الإسلامية التى تلهب خيالاتهم.

أما أهمية رد مدير هيئة الإذاعة فتكمن فى أنه دافع عن استقلال تقاليد مؤسسته فى مواجهة رئيس الحكومة، رغم الصلة المعروفة بين الـ«بى بى سى» وبين الخارجية البريطانية. فالرجل لم يعتبر كلام ديفيد كاميرون توجيهات أو أوامر لرئيس السلطة التنفيذية، وإنما هى مجرد وجهة نظر تسمع وتحترم ولا تلزم. وكان الرجل موفقا حين آثر استخدام مصطلح الدولة الإسلامية المزعومة، لأنه جمع بين العنوان الذى اختارته الجماعة لتعرف به نفسها، وبين التقييم الموضوعى لشرعيتها التى لا تزال مجرد ادعاء مفروض بالقوة حتى الآن.

أدرى أن الواقعة بسيطة فى بريطانيا، ولولا أن وكالة الأناضول للأنباء أشارت إليها فى أخبار السبت الماضى لمرت دون أن يشعر بها أحد. لكنى أزعم أنها عميقة الدلالة بالنسبة للقارئ العربى، الذى لابد أن يدهشه أن يطلق رئيس الحكومة توجيها باقتراح معين فيرده مدير الإذاعة وينشر على الملأ حيثيات رفضه له. وفى رده يعتبر أن تقاليد مؤسسته فى حيادها الموروث أهم وأولى بالاتباع من اقتراح رئيس السلطة التنفيذية.

دهشة العربى مبررة، فى ظل غياب مفهوم الفصل بين السلطات وتآكل فكرة استقلال المؤسسات داخل الدولة. صحيح أن الدساتير المكتوبة فى بلادنا درجت على أن تنص على فصل السلطات واستقلال المؤسسات، لكن خبرة الواقع دلت على أن أمثال تلك النصوص ليست سوى عبارات إنشائية أريد بها تجميل الواجهات فى المحافل الدولية. وهى ذات الخبرة التى صكت العبارة التى تقول إن كلام الرئيس رئيس الكلام، بمعنى أنه لا يحتمل نقدا ولا نقضا، وهو آخر كلام. فى السياسة والقانون وفى الحرب والسلم وفى التشريع والقضاء.

فى أهمية الفصل بين السلطات فى النظام الديمقراطى يستشهد رجال القانون بما جرى للرئيس الأمريكى ليندون جونسون، حين أدان وندد بالجرائم البشعة، التى ارتكبتها عصابة من المهووسين، كان يقودهم رجل غريب الأطوار هو تشالز مانسون. وكانت أبرز ضحاياهم الممثلة الأمريكية شارون تايت، التى قتلوها مع آخرين. ذلك أن الرئيس جونسون كان قد أطلق تصريحاته أثناء نظر القضية أمام القضاء عام ١٩٧١. لكنه ما إن فعلها حتى تعرض لعاصفة من الهجوم والتنديد من جانب المحامين، الذين انتقدوا كلامه، واعتبروه تدخلا فى القضاء وإحراجا للمحكمة. وطالبوا الرئيس بأن يلزم حدوده، ويكف عن الكلام فى الموضوع، ليتيح للعدل أن يأخذ مجراه دون تأثير من رئيس الدولة.

حين يقع المرء على مثل هذه القصص، فإنه يستشعر خليطا من مشاعر الحسرة والحزن، لأنه يكتشف أننا نعيش فى كوكب آخر يفتقد إلى الكثير من تقاليد وأعراف العالم المتحضر. الأمر الذى يذكرنا بأننا نعيش حقا فى القرن الواحد والعشرين، لكننا لا ننتمى إليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يحدث فى الكوكب الآخر يحدث فى الكوكب الآخر



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 04:47 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 23:58 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

مدرب المصري يكشف رغبة النادي في ضم الشيخ من "الأهلي"

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt