توقيت القاهرة المحلي 07:29:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وظائف منقرضة

  مصر اليوم -

وظائف منقرضة

أسامة غريب

اختراع الآلات وفَّر مجهود الإنسان وأراحه من المهام الشاقة، لكنه من جهة أخرى دفع بأعداد كبيرة من العمال إلى طوابير البطالة بعدما صارت الآلة تؤدى بسهولة ودقة ما كان يؤديه عشرات الأفراد. وكلما أوغل الإنسان فى التقدم على طريق المنجزات والمخترعات زاد الاستغناء عن العنصر البشرى، حتى إنه يقال إن بعض المصانع فى اليابان تدار بما لا يزيد على عشرة عاملين. ولا يقتصر الأمر على عمال المصانع فقط، لكنْ هناك مهن أخرى حلَّت الآلة فيها محل الإنسان، ومن ضمنها وظيفة شرطى المرور التى لم يعد لها وجود فى معظم البلدان بعد أن ظهر اختراع الإشارات الضوئية التى تحدد للسائق متى يسير ومتى يتوقف. غير أن هناك مَن لا يزالون يصرون على تجاهل هذا الاختراع الذى يزيد عمره على مئة عام، والدفع بالمزيد من الرجال للقيام بدور يمكن لعامود من الأنوار الملونة أن يؤديه بكفاءة ورشد. والغريب أنهم لا يكتفون بتعذيب العساكر والأفراد من ذوى الرتب البسيطة فقط، لكننا نجد ضباطًا من النوع المفتخر يحملون على أكتافهم نجومًا وطيورًا جارحة يقفون فى عز حر الصيف وبرد الشتاء لتنظيم المرور بدلًا من الإشارة الضوئية، والغريب أن الواحد منهم عندما يعود إلى منزله محطمًا آخر النهار، يتصور أنه كان فى مهمة قومية لخدمة الوطن! كما أن هناك وظيفة أخرى اندثرت من زمان فى بلاد العالم الطبيعى، لكنها ما زالت موجودة فى بلادنا وهى وظيفة مذيعة الربط بالتليفزيون، وهى شخصية فرحة دون مناسبة تطل على الناس لتعلن لهم أنه قد حان الآن موعد تقديم برنامج كذا أو فيلم كذا، ثم لا تنسى أن تتمنى لهم سهرة سعيدة.. ويقال إن من أسباب الإبقاء على هذه الوظيفة نسبة الأمية التى لا تسمح لكثير من المشاهدين بمعرفة اسم البرنامج أو الفيلم وأسماء أبطاله.. غير أن نفس هؤلاء الأميين لم يشْكُ أحد منهم أو يتبرَّم من القنوات التى تخلَّصت من مذيعات الربط بغير رجعة. ويقال إن المسألة لا تعود فقط إلى جهل الحكومات أو مسؤولى الهيئات وخيبتها، لكن هناك دائمًا أسباب وجيهة وراء الاحتفاظ بوظائف تخلَّص منها العالم، على رأس هذه الأسباب أن التكنولوجيا ليست نوعًا واحدًا، فإذا كانت التكنولوجيا فى تعريفها البسيط هى طريقة الإنتاج، فإن هناك العديد من الطرق، وإذا كانت الدول الصناعية وافرة الدخل قليلة السكان تستطيع أن تعتمد طرقًا من الإنتاج تقوم أكثر على الآلة وعلى الروبوت، فإن دولًا مثل الصين والهند لا يمكنها -حتى إذا تطوَّرت علميًّا- أن تنتهج مثل هذه الأساليب فى الإنتاج لأسباب ليست خافية، إذ إن مئات الملايين من السكان قد يموتون جوعًا نتيجة حرمانهم من فرص العمل، وبفرض أن حكومات هذه الدول استطاعت تقديم علاوة بطالة إلى هؤلاء، فإن التأثير الاجتماعى المدمِّر لبطالة معظم السكان لا قبل لأعتى الدول به. لهذا فإنهم يفضِّلون التكنولوجيا التى تعتمد على استخدام العمالة الكثيفة. فهل يا ترى تقوم بلادنا الحلوة باستخدام لواءات وعمداء لتنظيم المرور فى الشارع بدلًا من تركيب إشارة ضوئية من نفس المنطلق الذى يفضِّل استخدام العمالة الكثيفة فى الدول عالية السكان، أم أن هناك أسبابًا أخرى؟ بعض أولاد الحلال يقولون إن وجود رجل الشرطة ضرورى فى البلدان القمعية الشرسة التى لا تحفل بأن يحترم المواطن القانون قدر اهتمامها بأن يهاب المواطن الشرطى ويرتعد منه، وإن هذا هو السبب الحقيقى فى عدم قيام الضباط بتنظيم المرور من خلال غرف التحكم ومن خلال سيارات الدورية وإصرارهم على الوجود الفيزيقى فى الشارع! لكن هناك نظرية أخرى تقول إن الفشل الذريع فى تطبيق نظام الحكومة الإلكترونية الذى يوفر الموظفين ويسمح للمواطن بتخليص مصالحه «أونلاين» عائد إلى الرغبة المتجددة لدى الموظفين فى رؤية المواطن بشحمه ولحمه وجنيهاته دون الاكتفاء بنقراته على الكيبورد! أما فى ما يتعلق بمذيعة الربط فإن مشكلتها أشد تعقيدًا، ذلك أنها تدرَّبت منذ الطفولة على ترديد: سيداتى سادتى، ولا يمكن لأونكل صاحب التليفزيون أن يحرمها من حلم السنين! نقلاً عن جريدة "التحرير"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وظائف منقرضة وظائف منقرضة



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt