توقيت القاهرة المحلي 04:05:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حياة تافهة

  مصر اليوم -

حياة تافهة

بقلم - أسامة غريب

إذا تابعت جماعة من الناس تجلس معًا، ستجدهم فى الغالب يتحدثون جميعًا فى نفس الوقت ولا أحد منهم يستمع إلى أحد!. هم ليسوا مجانين ولا سفهاء، لكنهم محرومون من الكلام، والحياة تفرض عليهم معظم الوقت أن يجلسوا فى حضرة من يتحدث وحده ولا يسمح لهم بالكلام، سواء كان صاحب نفوذ وثراء من النوع الذى يجلس يحيط به حواريون يقومون فى حضرته بحرق البخور والثناء على كل ما يخرج من فمه وكأنه اللؤلؤ المنثور.

وتزداد المشكلة إذا كان الباشا صاحب النفوذ أو حتى المدير فى العمل من الذين تستبد بهم شهوة الكلام بعدما أيقن أن السمّيعة كُثرُ، وحتى لو كان حضرة الكوماندا المهم رجلًا طيبًا غير متجبر وغير مؤذٍ، فإن الجمهور الجالس معه سيتحرج من تصحيح كلامه والاعتراض على آرائه الفارغة، لكن سيجلسون فى حضرته صامتين يستمعون إلى تنظير فى السياسة والفن والثقافة والرياضة.

وربما أن هذا أحد الأسباب الأساسية فى الاكتئاب الذى يصيب كبار الموظفين بعد خروجهم إلى المعاش، ذلك أنهم يفتقدون السمّيعة والصهبجية، وإذا ما أبدوا آراءً فى أى شأن بعدما فقدوا الوظيفة جوبهوا بالاستنكار والتوبيخ وكأنهم لم يكونوا إلى وقت قريب فلاسفة كبارا لهم حكمة أرسطو وبلاغة المتنبى!. ولأن الأنفار الذين يتعرضون طوال الوقت لتجربة الجلوس الصامت المسموح لهم فقط بالنفاق لا يريدون أن يمرضوا ويكتئبوا.

فإنهم ما إن يبتعدوا عن المديرين أصحاب المراكز والباشوات أصحاب النفوذ ويخلو الواحد منهم إلى قرنائه وأصدقائه حتى تنطلق منه نافورة كلام، فى الوقت الذى يفعل فيه الآخرون الأمر نفسه.. كبت وحرمان من الكلام يعبّر عن نفسه فى صورة انفلات ورغى وتنكيت وصخب وهرج يؤديه الجالسون فى نفس الوقت، فلا أحد يسمع أحدًا ولا أحد يصغى أو يعتبر بما يحكيه الآخرون!.

ولقد جلست شخصيًا فى جلسات من هذا النوع مع رفاق كانوا يقضون السهرة على القهوة لعدة ساعات وكلهم يتكلمون فى مواضيع مختلفة فى نفس الوقت دون أن يكون لأحد منهم مستمع واحد!.. يفعلون هذا بعد أن ينصرف المدير الذى كان يجلس معهم منذ قليل، بعد أن احتكر الرغى وحده لساعات قام خلالها بتعليمهم فنون الأكل والشرب والإتيكيت، وأعطاهم محاضرات فى التاريخ والاجتماع والاقتصاد.

وروى لهم عن علاقاته ومغامراته النسائية، وعدّد لهم أنواع وأصناف النساء وكيفية التعامل مع كل نوع.. كل هذا وهو مجرد رجل غلبان بلا خبرة أو دراية أو ثقافة.. وبهذا فإن حياة الناس تنقسم إلى قسمين: وقت طويل يقومون فيه بدور المتلقى، ووقت آخر هو الذى يتحررون فيه ويجلسون بعيدًا عنه، وهو الوقت الذى تنفجر فيه ماسورة الكلام لديهم جميعًا فى نفس الوقت.

والخلاصة؛ أن الحياة تمضى بالناس فى فصول تحفل بالكلام الفارغ وتخلو من الحكمة والتأمل والكلام الموزون.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حياة تافهة حياة تافهة



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 14:25 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

نانسي عجرم تتألق بإطلالات ربيعية ساحرة

GMT 17:06 2022 الإثنين ,26 كانون الأول / ديسمبر

وزير العدل المصري يتحدث عن آخر التطورات بشأن توثيق الطلاق

GMT 16:44 2025 الخميس ,18 أيلول / سبتمبر

لاعبين يسجلون غيابا عن الزمالك أمام الإسماعيلي

GMT 04:47 2024 الجمعة ,03 أيار / مايو

معرض الدوحة الدولي للكتاب ينطلق في 9 مايو

GMT 02:54 2017 السبت ,11 شباط / فبراير

محمد الضمور يوضح فكرة "مسرح الخميس"

GMT 07:53 2020 الخميس ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

باخ يتوجه إلى اليابان للتأكيد على إقامة أولمبياد طوكيو

GMT 02:49 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

"إنفينيتي" تعلن عن نوعين من محركات السيارات الكهربائية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt