توقيت القاهرة المحلي 07:46:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذَا توجد دولٌ غنية ودولٌ فقيرة؟ الثَّقافة (2)

  مصر اليوم -

لماذَا توجد دولٌ غنية ودولٌ فقيرة الثَّقافة 2

بقلم:ممدوح المهيني

تلعبُ الثقافة دوراً حاسماً في نجاح الأممِ وفشلها. فالثَّقافة، كما يقصدُها توماس سويل، ليست الفنونَ أو العادات أو الفلكلورَ الشعبي، بل الطبقة الأعمق من الوعي الجمعي، حيث تتكوّن العاداتُ الذهنيةُ والقراراتُ الصغيرةُ التي تحدّد السلوكَ اليومي للأفراد: كيف يفكّرون، كيف يدَّخرون، وكيف يروْن الغد. هذه القرارات الصغيرة، حين تتكرّر عبر الأجيال، تصنع عقلاً اقتصادياً يميّز أمةً عن أخرى.

يُطرح سؤالٌ متكرر: لماذَا تنجح جماعاتٌ صغيرةٌ بلا سلطة سياسية في السيطرة على قطاعاتِ التجارة والمصارف؟ يجيب سويل بأنَّ السَّببَ هو امتلاكها لما يسميه رأس المال الثقافي، أي القيم العملية مثل الانضباط، والتعليم، والادخار، واحترام الوقت. هذه القيم هي التي تشكّل الثروة الحقيقية، لأنَّها تخلق القدرةَ على الإنتاج المتواصل لا الاستهلاك العابر.

نرَى هذا بوضوح في الجماعات الصينية المنتشرة في آسيا. ففي سنغافورة وتايلند والفلبين وإندونيسيا، نجد أنَّ الصينيين يملكون معظمَ الثروة التجارية والمالية رغم كونهم أقلية. واليابان مثال آخر: بعد هزيمتها المدمّرة في الحرب العالمية الثانية، استطاعت خلال عقودٍ قصيرة أن تتحوَّل إلى قوة صناعية عالمية. لم يكن ذلكَ معجزةً، بل ثمرة ثقافة راسخة تقوم على الانضباط، والإتقان، والولاءِ للمؤسسة، والاحترام العميق للعمل الجماعي.

أمَّا اليهود، فتمثل تجربتهم مثالاً فريداً على كيفَ يمكن للثقافة أن تكونَ آلية للبقاء. فالتقاليدُ التي تمجد التعلمَ، وتربط الكرامة بالاستقلال المالي، جعلت منهم، رغمَ قلتهم، نخبةً مالية وعلمية في أوروبا وأميركا.

وبالطريقة نفسِها، تميَّزتِ الدولُ البروتستانتية في أوروبا - مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا - بنجاحها الاقتصاديّ مقارنةً بالدول الكاثوليكية المجاورة. السببُ في رأي سويل أنَّ البروتستانتية ركَّزت على الأخلاق العملية بدل الوعظ النظري، وعلى قيمة العمل والانضباط بدل الطقوس الدينية. كانَ العمل لديهم تعبيراً عن الإيمان لا عن العقاب، لذلك نشأت لديهم روح رأسمالية مبكرة.

ويقدّم سويل أمثلةً أخرى لتوضيح الفكرة نفسها. فالهنود، رغم كونهم أقليةً في شرق أفريقيا، أصبحوا محركاً أساسيّاً للاقتصاد بسبب التزامهم التجاريّ والعائليّ الصارم. أمَّا فيتنام، التي خرجت من عقود من الحروب المدمّرة، فقد حققت نموّاً اقتصادياً متسارعاً لأنَّها اعتمدت على أخلاقياتِ عمل قوية واحترام للجهد الفردي. كذلك تايوان وهونغ كونغ، اللتان تحولتَا رغم صغر مساحتِهما وندرة مواردهما إلى مركزين ماليين مزدهرين بفضل ثقافة الإنتاج لا بفضل تدخّل الدولة.

ويعود سويل إلى التاريخ الأوروبي ليضرب مثالاً بهولندا في القرن السابعَ عشر، التي كانت دولةً صغيرةً فقيرةً بالموارد لكنَّها أصبحت مركزاً ماليّاً عالميّاً لأنَّ الثقافة السائدة فيها كانت تُعلي من قيمة الثقة. النَّاس كانوا يلتزمون العقودَ والاتفاقات حتى من دون وجود سلطةٍ قاهرة، لأنَّ السمعة الاقتصادية كانت تمثل رأسَ مالٍ أثمن من الذهب. في الوقت نفسه، كانت إسبانيا والبرتغال تسبحان في الذهب القادم من العالم الجديد، لكنَّه أفسدهما بدل أن ينهضَ بهما. لم تستطيعَا بناء نظام اقتصاديّ منتج، لأنَّ الثروة جاءت بلا جهد، فتحوَّلت عبئاً ثقافيّاً جعل الناسَ يتعلّمون أنَّ الطريق القصير أفضل من الطويل، وأنَّ النفوذ يغني عن المهارة.

بهذا يخلص سويل إلى أنَّ الثروة ليست في الموارد، بل في المنظومة الثقافية التي تحكم علاقة الناس بالعمل والزمن والمستقبل. فالمجتمعات التي ترى في الجهد طريقاً طبيعياً للمكافأة تصنع تقدّمَها بنفسها، بينما تلك التي ترى في الثروة هبةً من الخارج تفقد الحافز على الإنتاج.

ويؤكد أنَّ الثقافة الاقتصادية لا تتغيَّر بالخطب والمواعظ الأخلاقية أو بالقوانين، بل حين يتغيّر الواقع الذي يعطيها معناها. فإذا كانتِ البيئة تكافئ الانضباطَ والإتقان، فستنتشر هذه القيم في المجتمع، أمَّا إذا كافأتِ الحيلة والمظلومية أو المحسوبية، فستسود ثقافة الارتجال والفساد والغش والاعتماد على العلاقات.

من هنا نفهم لماذَا تتفاوتِ الأمم رغم امتلاكها للموارد نفسها. فالثروة ليست كميةَ المال التي تملكها الدولة، بل نمط تفكيرها في العمل والزمن. اليابان وسويسرا وهولندا وألمانيا أمثلة لدول حوَّلت ثقافتها طاقةً إنتاجية، بينما دول أخرى تملك المال والموارد، لكنَّها تفتقد المنظومةَ العقلية التي تجعل المال قابلاً للزيادة والتكاثر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذَا توجد دولٌ غنية ودولٌ فقيرة الثَّقافة 2 لماذَا توجد دولٌ غنية ودولٌ فقيرة الثَّقافة 2



GMT 07:46 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أبعاد طبقية للتغير المناخى

GMT 07:44 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

ليبيا..والمسئولية الإقليمية لمصر!

GMT 08:36 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

شروط القمرة

GMT 08:34 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

بداية النهاية للترمبية كما تزعم «واشنطن بوست»؟!

GMT 08:32 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

ما بعد دافوس: من طمأنينة التحالف إلى إدارة المخاطر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

تشويه الإصلاح مقامرة بلبنان!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

روح السعودية الجديدة تكمن في إدارة الحركة

GMT 08:23 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

الطاقة في الأراضي الفلسطينية

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 09:17 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل
  مصر اليوم - أمين عام الناتو يرفض دعوات بناء جيش أوروبي منفصل

GMT 11:21 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
  مصر اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 05:13 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

أميركا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاق 6 سنوات
  مصر اليوم - أميركا تستعد لفتح سفارتها في فنزويلا بعد إغلاق 6 سنوات

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

زينة تثير الجدل بتصريحات جديدة بين متابعيها
  مصر اليوم - زينة تثير الجدل بتصريحات جديدة بين متابعيها

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 17:44 2025 الخميس ,20 شباط / فبراير

عودة ثلاثي الاتحاد قبل مواجهة البنك الأهلي

GMT 03:55 2025 السبت ,13 كانون الأول / ديسمبر

إتيكيت التعامل مع العلاقات السامة بشكل صحي

GMT 12:25 2022 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

بيرسي تاو ينتظم في تدريبات الأهلي الجماعية بشكل كامل

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 12:09 2018 الأربعاء ,11 تموز / يوليو

روني كسار يشعل مهرجان "سيدي الظاهر" في تونس

GMT 03:35 2016 الثلاثاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

رنا الأبيض تُعوّض انسحاب سلاف فواخرجي من "باب الحارة"

GMT 02:39 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

نجلاء بدر تحلل تصرفات الرجل في " بيومي أفندي"

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 23:47 2024 الأربعاء ,04 أيلول / سبتمبر

قائمة المرشحين للفوز بجائزة الكرة الذهبية 2024
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt