توقيت القاهرة المحلي 21:56:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب (27)

  مصر اليوم -

من روائع أبي الطيب 27

بقلم - تركي الدخيل

(73) وَمَا كُلٌّ بِمَعْذُورٍ بِبُخْلٍ * وَلَا كُلٌّ عَلَى بُخْلٍ يُلَامُ

الناس مختلفون من حيث العُذْرُ بالبُخلِ، على حَسَبِ أحوالِهم، ومراتبهم ومنازلهم، وما يُرجَى منهم وما لا يُرجَى. فالغني الموسر لا يُعذر على بخله، وعلى إمساكه عن الإنفاق، لأنّ الله جعل في ماله حقّاً معلوماً للسائلِ والمحرومِ. وكريمُ الطباعِ، حَسَنُ السَّجايَا، لا يُعذَر على شُحِّه، فالبُخلُ طَبْعُ الأَرَاذِلِ، ولا يَليق الطبعُ الحقيرُ بالشخصِ الشريفِ. ويُعذَر بالبُخلِ قليلُ ذاتِ اليدِ، ذو العُسرة، وصاحبُ الحاجةِ. وترتقي هِمَمُ الكِبَارِ فيلومُونَ على البُخلِ من نَشَأَ في بيتِ كَرَمٍ، وبالعكسِ يُعَذَرُ مَنْ لَمْ يَشُبَّ في رحابٍ كريمةٍ، فإِنّهُ ما عَرَفَ الكرَمَ عَمَلِيّاً، وَلَعَلَّهُ يَدخُلُ في دَائِرَةِ المَعذُورِ بِالجَهْلِ.

ولأبي تمَّام، في لُومِ الشَرِيفِ على التأخُرِ عَن الشَّرَفِ، قولُه:

لِكُلٍّ مِنْ بَنِي حَوَّاءَ عُذْرٌ * ولَا عُذْرٌ لِطَائِيٍّ لَئِيْمِ

ولأبي نواس بيتٌ يفيضُ حُزنَّاً، يقول فيه:

كَفى حَزَناً أَنَّ الجَوَادَ مُقَتَّرٌ * عَلَيْهِ وَلَا مَعْرُوفَ عِنْدَ بَخِيلِ

وغايةُ الجُودِ أن يُعْطي المرءُ مع قِلَّةِ ذاتِ اليَدِ، كما قال المُقَنَّعُ الكِنْديُّ:

لَيْسَ العَطَاءُ مِنَ الفُضُولِ سَمَاحَةً * حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَديْكَ قَلِيْلُ

وهذا النوعُ من العَطاءِ يعكِسُ الإيمانَ العميقَ بالفكرةِ، إلى درجةِ أنَّ تكالُبَ الظُّروفِ على الكريمِ لا يمنَعُه من الجُود على قِلَّة ما لدَيْه.

(74) إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ * فَلَا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ

هذا بيتٌ شريفٌ اختارَه المتنبي ليكون مطلعًا لقصيدته، وقد أحْسَن قولًا بهذا البيتِ الذائعِ الصيتِ، والمَثَلِ السَّائرِ.

غَامَرْتَ: المُغامرةُ هي المجازَفَةُ، والوُلوجُ في الصِّعَابِ والمَهَالِك. وتتضح المجازفةُ في المُغامرة من معناها المعجميِّ، جاء في (لسان العرب): «رَجُلٌ مُغَامِرٌ إِذَا كَانَ يَقْتَحِمُ المَهَالِكَ».

قال أبو عبدالله غفر الله له: غامرتُ: أي دخلتُ في الغَمَرَاتِ، وهي جمعُ غَمْرَةٍ: أصلُها الشيءُ الذي يَغْمُرُ الأشياءَ فيُغَطِّيها، ثم وُضِعت في موضِعِ الشَّدائدِ والمكارِه لأن الشدائدَ إذا أصابت المرءَ غمرتْه وأغرَقته فيها، فلا همَّ له غير همِّها.

شَرَف: الشَّرَفُ: العُلُوُّ والارتفاعُ، والشَّريف مِنَ النَّاسِ مَن كان عَالِي الْمَنْزِلَةِ. وشَرِيفٌ وَالْجَمْعُ شُرَفَاء وأَشْرَافٌ، وَقَدْ شَرُفَ، بِالضَّمِّ، فَهُوَ شَرِيف، وشَارِفٌ عَنْ قَلِيلٍ أَي سَيَصِيرُ شَرِيفاً... وَقَدْ شَرَفه وشَرَفَ عَلَيْهِ وشَرَّفَه: جَعَلَ لَهُ شَرَفًا، وَكُلُّ مَا فَضَلَ عَلَى شَيْءٍ، فَقَدْ شَرَفَ.

وشارَفَه فَشَرَفَه يَشْرُفه: فاقَه فِي الشرفِ، عَنِ ابْنِ جِنِّي. وَشَرفْتُه أَشْرُفه شَرْفاً أَي غَلَبْته بالشرَفِ، فَهُوَ مَشْرُوف، وَفُلَانٌ أَشْرَفُ مِنْهُ. وشارَفْتُ الرَّجُلَ: فَاخَرْتُهُ أَيُّنا أَشْرَفُ. (لسان العرب).

مَرُوم: مطلوبٌ مرغوبٌ فيه لِعُلُوِّه. «رَوَمَ: رَامَ الشيءَ يَرومُهُ رَوْمًا ومَراماً: طَلَبَهُ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والمَرامُ المَطْلَبُ. ابْنُ الأَعرابي: رَوَّمْتُ فُلَانًا ورَوَّمْتُ بِفُلَانٍ إِذا جَعَلْتَهُ يَطْلُبُ الشَّيْءَ».

و«الشَّرَفُ، مُحَرِّكُهُ: العُلُو، والمكان العالي»، كما في (الكليات). فلا تُحَرِّكُ الدنيئات شرفاً، ولا تعاقِرُ الدنايا شريفاً، وحاشاه.

شبَّه المتنبي الغاياتِ المطلوبةَ العاليةَ بالنجوم في السماءِ، بجامِعِ العُلُوِّ والرِّفْعة، والسمُوِّ بينها.

في هذا البيت أيضاً، يُشجع المتنبي على السعي وراءَ الأهداف العالية، وعلى عدم القبول بأيِّ هدفٍ أدنى من الأعلى.

والنجمُ في هذا السياق رمزٌ للعَظَمة والسموِّ، كما أن الغَمْرَ في «شرفٍ مروم» يُمثل التضحيةَ والمخاطرةَ من أجل تحقيق العَظَمة. وبحجم الغاياتِ تكون الصعوباتُ، ويزيدُ تعبُ الأجسام، فالنفوسُ الكبيرةُ، أهدافُها عظيمةٌ، ولتتحقَّقَ هذه الأهدافُ تَبْذُلُ الأجسامُ جهداً مضاعفاً، فتتعَبُ في بلوغِ مُراد كبارِ النفوسِ، كما قال المتنبي:

وإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَاراً * تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

إن المعالي تتطلب جهداً جسدياً ونفسياً، وبدون الاستعدادِ لتحمُّل هذا الجهدِ وقبولِ هذه المشاقِّ لا يمكن للشخصِ أن يصلَ إلى القِمةِ.

إن أبياتَ أبي الطيب المتنبي ليست مجرَّدَ تصويرٍ لحالةٍ فرديةٍ من المعاناةِ أو الألمِ في سبيل تحقيق الهدفِ، بل هي تلخيصٌ لرؤيةٍ فلسفيةٍ عميقةٍ تجاه الحياةِ والنجاحِ. فالعظمةُ لا تُمنح، بل تُكتسب، ولا تُنالُ بسهولة، بل بمشاقَّ وصعابٍ، ولكنها تستحِقُّ ما يُبْذَل من تعب للحصول عليها، ويَحِقُّ فيها ما يُقال في المثل الشعبي: «الغالي ثمنه فيه»، دلالةً على استحقاقِه غلاءَ ثمنِه.

(75) فَطَعْمُ المَوتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ * كَطَعْمِ المَوتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ

المَوْتُ هو المَوْتُ، لا يَتَغَيَّر طَعمُهُ بِحَسَبِ نَوْعِ المِيتَةِ! ولذلِكَ أَكَّدَ المتنبي أن الموتَ في أمر حقيرٍ، يتساوَى مع الموتِ في أمرٍ عظيمٍ، في تطابق طعم الرَحِيلِ في الحاليْن.

ولأبي الطيب بيتٌ آخرُ يقول فيه: وإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوتِ بُدٌّ * فَمِنَ العَجْزِ أَنْ تَكُونَ جَبَانَا فكيف إذا لم يكن من الموتِ بُدٌّ، وكان طعمُ الموت في الأمر الحقير والعظيم واحداً!

كل ذلك إنّما هو لتحفيزِك كي لا تقنعَ بما دون النجوم، وقد غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومِ... لأنَّك شريفٌ، لا يليقُ بِكَ دُونٌ، ولو كان دونَ النجومِ!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من روائع أبي الطيب 27 من روائع أبي الطيب 27



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt