توقيت القاهرة المحلي 07:42:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

  مصر اليوم -

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ

بقلم:تركي الدخيل

يَقولُ الفَرَزْدَقُ:

وَلَوْ كَانَ البُكَاءُ يَرُدُّ شَيئاً

عَلَى البَاكِي بَكَيتُ عَلَى صُقُورِي

بَنِيَّ أَصَابَهُمْ قَدَرُ المَنَايَا

فَهَلْ مِنْهُنَّ مِنْ أَحَدٍ مُجِيرِي

وَلَوْ كَانُوا بَني جَبَلٍ فَمَاتُوا

لَأَصْبَحَ وَهْوَ مُخْتَشِعُ الصُّخُورِ

إِذَا حَنَّت نَوَارُ تَهِيجُ مِنِّي

حَرَارَةَ مثْلِ مُلْتَهِبِ السَّعِيرِ

حَنِينَ الوَالِهَينَ إِذَا ذَكَرْنَا

فُؤَادَينَا اللَّذَينِ مَعَ القُبُوْرِ

كَلَيلِ مُهَلْهِلٍ لَيلِي إذا مَا

تَمَنَّى الطُّوْلَ ذُو اللَّيلِ القَصِيرِ

وَكَيفَ بِلَيلَةٍ لَا نَوْمَ فِيهَا

وَلَا ضَوْءٍ لِصَاحِبِهَا مُنِيرِ

هذه أبياتٌ يَرْثِي فيهَا الفَرزدَقُ، الذي وُلد عام 38 هجرية - 658 ميلادية، وتوفي عام 110 هجرية - 728 ميلادية، الشَّاعِرُ المَشهُورُ بَنِيهِ، حيثُ رُزِءَ بِرحِيلِ أَربَعةٍ مِنْ أوْلَادِهِ.

يَقولُ: لَوْ أَنَّ البُكَاءَ يَرُدُّ للبَاكِي شَيئاً، لَبَكَيْتُ عَلَى أبْنَائِي الّذِينَ فَقَدْتُهُمْ.

وَقَوْلُهُ: شَيْئاً: أَيْ: أَيَ شيءٍ كَانَ، وَلوْ كَانَ قَلِيلاً. يُريدُ: لَو رَدَّ البكاءُ أَيَّ شيءٍ مَهْمَا قَلَّ، وليسَ بِالضَّرورةِ أنْ يكونَ ما يردُّهُ البُكَاءُ الفقيدَ المُبْكَى عليه، لبَكَيتُ.

صقوري: أرادَ بصقورِه أبناءَهُ، وسَمَّاهُم صقوراً تأكيداً علَى قِيمتِهمْ عندَه، حيث كَانتِ العَرَبُ تُقَدّرُ الصُّقُورَ، لقيمتِهَا عِندَ الصَّيَّاد.

المنايَا: جمعُ مَنِيَّةٍ، وَهيَ المَوتُ. وَأَرَاد: أنَّ أقدارَ المَوتِ المكتوبةَ في الآجَالِ حَلَّتْ فَنَزَلَ المَوْتُ بأولَادِه الأرْبعَة، ثُمَّ يتساءلُ فِي عَجزِ البَيتِ سُؤالاً لَا يَنتظرُ لَهُ جَوَاباً، فَالتَّسَاؤُلُ هُنَا إنْكَارِيٌّ وَيَحمِلُ تأكِيدَ النَّفْي مُضْمَراً فِي طَيَّاتِه: فَهَلْ مِنهُنَّ مِنْ أَحَدٍ مُجِيرِي؟ أيْ لَا أحَدَ يُجِيرُنِي مِنْ أقْدَارِ المَوْتِ إذَا حَلَّ وَقتُها!

ثُمَّ يَقُولُ لِبَيَانِ هَولِ الفَادِحَةِ عَلَيهِ وَعِظَمِ المُصِيبَةِ: لَوْ أَنَّ جَبَلاً مَاتَ لَهُ أبْنَاءٌ مِثلَ أبنائِي، لَبَلَغَ بِالجَبَلِ التَّأَثُّرُ أَنْ لَانَتْ صُخُورُهُ وَرَقَّتْ لِهَوْلِ المُصَابِ.

مُختشعٌ: المُختشعُ هو اللَّازقُ بالأرْضِ، كَمَا يَقولُ مُحمَّدٌ بنُ حَبيب، فِي شَرْحِهِ بيتَ جَرِير، القَائلِ:

لَولَا الحَيَاءُ لَهَاجَ الشَوقُ مُختشعٌ

مِثلَ الحَمَامَةِ مِنْ مُستَوقدِ النَّارِ

ثُمَّ يتحدَّثُ الفَرزدَقُ عن زَوجتِهِ نَوَار وَحُزْنِهَا عَلَى بَنِيهَا، فَيقولُ إنَّهَا إذَا بَكَتْ عَلَيهمْ هَيَّجَتْ أحْزَانَه، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلكَ، بِقَولِه: حَنَّتْ: يُرِيدُ بِحنينِهَا البُكَاءَ، وَالَّذِي عَادةً مَا يَكونُ مَصْحُوباً بِحَنِينٍ وَأَنِينٍ. فَهيَ تُهيّجُهُ بِبُكَائِهَا فَتُلْهِبُ أَحْشَاءَهُ.

وَفِي البَيْتِ التَّالِي يُبَيّنُ أنَّ هذَا الحَنِينَ الَّذِي يَحنُّهُ هُوَ وَزَوجَتُهُ هُوَ حَنِينُ الوَالِهِينَ.

وَيَقصِدُ بالوَالِهِينَ: المُفْجَعِينَ الثَّاكِلِينَ. وَأَصْلُهَا فِي النَّاقَةِ إذَا فَقَدَتْ وَلِيدَهَا.

يَقولُ إنَّهُ وَزَوْجَتَهُ يُصبحَانِ فِي حُزْنِهِمَا عَلَى بَنِيهِمَا يَبْكِيَانِ كَالمُفْجَعَينِ الثَّاكِلَينِ، كُلَّمَا تَذَكَّرَا قَلْبَيهمَا اللذين باتا يَعيشانِ مَعَ القُبُورِ الّتِي دُفن فِيهَا المَفْقُودُونَ مِنَ الأبْناءِ.

وَيتحدَّثُ فِي البَيْتِ التَّالِي عَنْ لَيْلِهِ، حيثُ يَنفَرِدُ فِيهِ بِأَحْزَانِهِ، فَيُشَبّهُ لَيْلَهُ الطَّوِيلَ بِلَيْلِ المُهَلْهلِ الَّذِي كَانَ يَبْكِي أَخَاه. فَكيفَ تَكونُ لَيلةٌ لَا يَنامُ فِيهَا صَاحِبُهَا، وَكَيفَ يَنَامُ مَنْ مَلَأَ الحُزْنُ قَلْبَه؟ بلْ كَيْفَ تَكُونُ لَيْلَةٌ لَا يَأتِي صَبَاحٌ يُؤذنُ بِنِهَايَتِهَا، لِطُولِهَا؟

وَمِنَ الجَمِيلِ أنَّ قَولَ الشَّاعِرِ عَنِ اللَّيْلَةِ: وَلَا ضوءٍ لِصَاحِبِهَا مُنِيرِ، اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ اثْنَيْنِ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ...

أَوَّلُهُمَا: مَا سَبَقَ شَرْحُهُ، وَهُوَ أنَّ اللَّيْلَةَ لَا ضَوءَ يُنْهِيهَا بِانْبِلَاجِ الصَّبَاح.

وَثَانِيهِمَا: أنَّ مَا أَطْبَقَ عَلَى فُؤَادِ صَاحِبِ اللَّيْلَةِ مِنْ آلَامِ الفَقْدِ، وَجُرُعَاتِ الأَحْزَانِ، لوَّنَ حَيَاتَهُ بِظَلَامٍ دَامِسٍ، لَيْسَ فِيهِ وَلَا مَعَهُ ضَوْءٌ وَلَا نُور.

خُلَاصَةُ الأَبْيَاتِ أَنَّ البُكَاءَ لَا يَرُدُّ الأَمْوَاتَ، وَفِي ذَلكَ يَقُولُ المُتَنَبّي:

فَإِنْ صَبَرْنَا فَإِنَّنَا صُبُرٌ وَإِنْ بَكَينَا فَغَيرُ مَرْدُوْدِ

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt