توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشَّجَا يبعثُ الشَّجَا

  مصر اليوم -

الشَّجَا يبعثُ الشَّجَا

بقلم : تركي الدخيل

 

حقاً، إنَّ الشَّجَا يَبعثُ الشَّجَا، كَمَا أَنْشَدَ مُتَمِّمُ بنُ نُويرَةَ، رَاثِياً أخَاه مَالِكاً، فِي قَصِيدَةٍ مِنْ عُيُونِ مَرَاثِي الشّعرِ العَرَبِيّ، مِنهَا قولُهُ:

لقَد لَامَنِي عِندَ القُبُورِ عَلَى البُكَا * رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ

فقَال: أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيتَهُ * لِقَبْرٍ ثَوىَ بَيْنَ اللِّوَى فالدَّكَادِكِفَقُلْتُ لَهُ: إنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ الشَّجَا * فدَعْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِوقَائِلُ الأبيَاتِ، هوَ: مُتَمِّمُ بنُ نُويرَةَ بنُ جمرةَ بنُ شَداد اليربوعيّ التميمي (ت نحو 30 هـ = نحو 650 م)، أبُو نهشلٍ، صحابيٌ، وشاعرٌ فحلٌ، مِن أشْرافِ قومِهِ، اشْتَهرَ فِي الجَاهِليَّةِ والإسْلَامِ. وَكَانَ ذَمِيماً، وأشْهرُ شِعرِهِ رِثاؤُهُ لِأخِيهِ مَالِكٍ.

وهوَ صَاحِبُ البَيْتِ السَّائِرِ:

فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا * لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا

وقَبلَهُ قَولُهُ:

وكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيْمَةَ حِقْبَةً * مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيْلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا

سَكَنَ مُتَمّمٌ المَدِينَةَ، فِي أيَّامِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وتَزَوَّجَ بهَا امرَأةً، لَمْ تَرْضَ أَخْلَاقَهُ لِشِدَّةِ حُزنِهِ عَلَى أَخِيهِ.

وأبيَاتُ مُتَمّمٍ مِنْ قَصِيدَتِهِ الكَافِيَّةِ، قَالَهَا عندمَا قَدِمَ العِراقَ. فَفِي «أمَالِي القَالِي»، أنَّ الأصْمَعِيَّ قَالَ:

قَدِمَ مُتَمّمُ بنُ نُويرةَ العِراقَ، فأقبلَ لا يَرَى قَبْراً إلَّا بَكَى عَلَيهِ، فَقِيلَ لَه: يَموتُ أخُوكَ بالملا، وتَبكِي أنْتَ عَلَى قَبرٍ بِالعرَاقِ، فَقَالَ أبيَاتَه: لَقَدْ لَامَنِي عِندَ القُبُورِ عَلَى البُكَا... الأبيَات. وَضَمَّنَهَا:

أَمِنْ أجْلِ قبرٍ بالملا أنتَ نائحٌ * عَلَى كُلّ قَبرٍ أو عَلَى كُلِّ هَالِكِ

وَفِي الأبْيَاتِ يَنقلُ الشَّاعرُ لومَ صَاحِبِه لَهُ، إذْ رآهُ يَبكِي عندَ كُلّ قَبرٍ يَراهُ، ذَارِفاً الدٌّمُوعَ، مُستَنكِراً بُكاءَهُ عندَ كُلّ قَبرٍ، مُستَكثِراً سَيَلَانَ دُمُوعِهِ.

لقَد لَامَنِي عِندَ القُبُورِ عَلَى البُكَا * رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ

«تَذْرَاف»: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِن الذَّرَفِ، وذَرْفُ الدُّمُوعِ: سَيَلَانُهَا.

و«السَّوَافِكِ»: جَمْعُ سَافِكٍ، اشْتِقَاقاً مِن سَفكِ الدَّمِ، بمعنَى إرَاقتِهِ وإزْهَاقِهِ، فَشبَّهَ سَيَلَانَ دُمُوعِه بِسَفْكِ الدَّمِ، لِبَيَانِ عِظَمِ شَأنِ تَذْرَافِ دَمْعِهِ، إذْ رَبَطَهُ بِسَفْكِ الدَّمِ.

وَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: هَلْ تَبْكِي عِندَ كُلِّ قَبرٍ تَجِدُهُ...؟

«لِقَبْرٍ ثَوىَ بَيْنَ اللِّوَى فالدَّكَادِكِ»: قولُه «لقَبرُ»: من أجْلِ قبرٍ أخِيكَ الذِي «ثوَى» أي استقرَّ، والمَقْصُودُ: أنَّكَ تَبكِي أمَامَ كُلّ قبرٍ تَراهُ، حُزنًا علَى أخِيكَ، وعبَّرَ عَنْ أخِيهِ بِقبرِهِ، قَائلاً: «لقبرٍ» يَعنِي قبرَ مَالكٍ، و«ثَوَى»: أي وقعَ بين مَوقعَينِ، أولُهُمَا اسمُه: «اللِّوَى»، واسمُ الثَّاني: «الدَّكَادِكِ».

فأجَابَ الشَّاعرُ صَاحبَه على لَومِهِ، قَائِلاً: «إنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ الشَّجَا». و«الشَّجَا»: الحُزنُ والهَمُّ والاهْتِيَاجُ للذِّكرَى.

«يَبعَثُ»: أي يَستدعِي ويُهَيِّجُ. يُريدُ: أنَّ الأحزانَ تستجلبُ الأحزانَ، والآلامَ تُهَيِّج الآلامَ، فَكَأنَّ الحُزنَ يَستقوِي بإخوانِه، فيَطلبُهُم ويَستحثُّهمْ على الحُضورِ إليهِ.

(فدَعنِي): فاتركْنِي وشَأنِي، وتَوقَّفْ عن لَومِي، وكُفَّ عنْ تَقرِيعِي.

«فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ»: فكمَا أنَّ الحُزنَ يجلبُ الحزنَ، فرؤية أي قبرٍ، تجعلُنِي أرَى قبرَ مالكٍ، ولِذلكَ فَكُلُّ قَبرٍ أجِدُهُ إنَّمَا هو قبرُ أخِي!

وأرسَلَ الشَّاعرُ قولَهُ: «إنَّ الشَّجَا يَبْعَثُ الشَّجَا»، مثلاً سائراً...

سَألَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مُتمّماً: «ما بلغ من حزنك على أخيك؟

فقَالَ: لَقدْ مَكثتُ سنةً لَا أنَامُ بليلٍ حتَّى أُصْبِحَ، ولَا رأيتُ ناراً رُفِعتْ بِليلٍ إلَّا ظَننتُ نَفسِي سَتَخرُجُ، أذكرُ بهَا نارَ أخِي، كَانَ يأمرُ بالنَّارِ فتُوقدُ حتَّى يُصبحَ مخافةَ أنْ يَبِيتَ ضيفُه قَرِيباً منهُ، فَمَتَى يرَى النَّارَ يَأوِي إلَى الرَّحلِ... فقال عمر: أكرم به».

قالَ ابنُ خِلّكَان: «وبالجُمْلَةِ، فإنَّهُ لم يَنقلْ عَنْ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ ولَا غَيرِهم، أنَّه بَكَى علَى مَيّتِهِ، مَا بَكَى مُتَممٌ علَى أخِيهِ مَالكٍ.

وقَالَ عُمرُ لِمُتَممٍ: خَبّرنَا عَنْ أخِيك. فقالَ: يَا أميرَ المؤمنينَ، لَقدْ أُسِرتُ مرةً في حَيّ من أحياءِ العَرَبِ، فَأُخبرَ أخِي، فأقبلَ، فَلَّمَا طَلَعَ علَى الحَاضِرينَ، مَا كَانَ أحدٌ قاعداً إلَّا قَامَ على رِجليهِ، ومَا بَقِيَتْ امرأةٌ إلَّا وتَطلَّعتْ منْ خِلَالِ البُيوتِ، فمَا نَزَلَ عَن جملِهِ، حتَّى لَقُوهُ بِي بِرُمَّتِي (والرُّمَّةُ الحَبلُ البَالِي الّذِي ربط به)، فَحَلَّنِي هُوَ.

فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ هذَا لَهُوَ الشَّرَفُ».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشَّجَا يبعثُ الشَّجَا الشَّجَا يبعثُ الشَّجَا



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt