توقيت القاهرة المحلي 13:54:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا!

  مصر اليوم -

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

بقلم:تركي الدخيل

وَمِنْ شُعَرَاءِ الإسْلَامِيِّينَ، وَهُمُ الذِينَ ظَهَرُوا بَعْدَ الإسْلَامِ، وَفِي العَهْدِ الأُمَوِيّ، شَاعِرٌ يُقَالُ لهُ: قَعْنَبُ بنُ ضَمْرَة، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بنِ غَطَفَانَ، وَيُقَالُ لَهُ أيْضًا: قَعْنَبُ ابن أُمِّ صَاحِبٍ، وأمُّ صَاحِب هيَ أمُّ الشَّاعِر، وَلِذَلكَ ذَكرَهُ مُحَمَّدُ بنُ حَبِيبٍ، فِي كِتَابِهِ «مَنْ نُسِبَ إلى أُمِّهِ من الشعراء».

قالَ ابنُ جِنّي، في «تفسير أسماءِ شعراءِ ديوان الحماسة»: «القَعْنَب هو الشديدُ الصلبُ من كل شيء». وقَعْنَب، شَاعرٌ أُمَوِيٌّ، عاشَ أيامَ الخَليفةِ الوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ، وَلهُ أبياتٌ يَهجُوهُ بِهَا. وَمِنْ أشْهرِ شِعرِ قَعنب، أبْياتُه التِي يَشكُو بهَا فِعلَ عَدُوّهِ معَ مَا يَأتِيهِ عَنِ الشَّاعِرِ مِنْ مَدْحٍ وَقَدْحٍ، وَمِنْ ذَلكَ قَولُهُ:

إِنْ يَسْمَعُوا سُبَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

وَرُوِيَ البَيتُ بِكَلِمَةِ «رِيبة»، كَمَا يَلِي:

إِنْ يَسْمَعُوا رِيْبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

الرِّيبَةُ: الشَّكُّ، وَالظِّنَّةُ وَالتُّهْمَةُ. وَالْجَمْعُ: رِيَبٌ. وَالرَّيْبُ: مَا رَابَكَ مِنْ أَمْرٍ. وَرَابَنِي فُلَانٌ يُرِيبُنِي: إِذَا رَأَيْتَ مِنْهُ مَا يُرِيبُكَ وَتَكْرَهُهُ.

السُبَّة: ما يُسَبُّ به من العُيوبِ. فِي «اللّسَان»: السَّبُّ: الشَّتْمُ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا: شَتَمَهُ. وَالمَعنَى أنَّ خُصُومَ الشَّاعرِ، إذا سَمِعُوا عَنهُ ريبةً عَنهُ، طَارُوا بهَا فَرحًا.

وَ«طارُوا بهَا فرحًا»: ذلكَ لأنَّ السَّعادةَ التي تغمرُ صاحبَها فرحًا، تغشاهُ فتملأ جوانحَهُ، وتنتشرُ في أجزاءِ جسدِهِ كلِّه، حتَّى يَحْسَبُ أَنَّهُ علَى وَشكِ أنْ يَطيرَ، من شِدَّة الفَرحِ. ويُحتمل أن يكونَ المرادُ: أنَّ عدوَّ الشَّاعرِ طَيَّرَ السُّبةَ أَوِ الرّيبَة، بنشرِهَا، وَتَرويجِهَا، وإِشَاعتِهَا بينَ النَّاسِ، وَجَعلِهَا علَى كلِّ لِسَانٍ. يُقَال عنْ فَشْوِ الخَبَرِ وانْتشَارِهِ انتشَارَ النَّارِ فِي الهَشِيم: طَارَ الخبرُ، أيْ ذَاعَ وَعَمَّ وبَلَغَ القَاصِي وَالدَّانِي.

والطيرانُ دلالة على السُّرعةِ عندَ العَربِ، حَتَّى قبل اختراعِ الإنسانِ الطَّيرانَ.

ثم ينتقلُ الشَّاعرُ، ليبيّنَ كيفَ يتعاملُ عَدوُّهُ، مَعَ مَا يَسمعُه عنهُ منَ الخيرِ، وَهوَ ما عبَّر عنه بالصَّالحِ، حيثُ يبادرُ خصمُه لدفنِ الخَبرِ الصَّالحِ عنهُ.

إنَّ عدوَّ الشَّاعر، لا يكتفِي بعدمِ التَّرويجِ للصَّالحِ عنه، بل يذهبُ في الشَّر كلَّ مذهبٍ، إذ يدفنُ كلَّ ما يَسمعُ عنهُ منْ خبرٍ صَالحٍ، حَتَّى لا يبقَى احتمالُ أن يقفَ على هذَا الخبرِ أحدٌ بمجهودِه، لا بنشرِ الخبر وإشاعتِه!

لَقد أحسنَ الشاعر، قعنبُ بنُ ضمرة، في تصويرِ حالِ عدوّه، في التَّعاطِي مع ما يسمعُ من أخبارِ الخير وأخبارِ الشَرِّ عنه، في مجافاةٍ كاملةٍ للإنصاف، ومناقضةٍ تامةِ للعَدل.

مَرَّ عليُّ بن أبي طَالب، رضيَ الله عنه، بفتيانٍ من قريشٍ يتذَاكرُونَ المُرُوءة، فسألَهم: ماذَا تَذاكرُونَ؟ قَالُوا: المُروءةُ. فقالَ عليٌّ، رضيَ اللهُ عنه: المروءةُ الإنصافُ والتَفضُّلُ.

وكانَ عبدُ الملك بن مروانَ، يُحارِبُ مُصعبَ بن الزبير بن العوَّام، فقيلَ لِعبدِ الملكِ: إِنَّ مُصْعَبًا قَد شَرِبَ الشَّرَاب. فَقالَ عبدُ المَلكِ: مُصعبٌ يَشربُ الشَّرَابَ! واللهِ لَوْ عَلِمَ مُصعَبٌ أَنَّ الرّيَّ مِنَ المَاءِ ينقصُ مُروءَتَهُ ما رَوِيَ مِنهَ! فَلمَ تَمنعْ عبدَ الملكِ، حَربُهُ مع مُصعبٍ من إنْصافِه.

وإذَا كانَ قعنب أسهبَ في بيانِ حالِ عدوّهِ معَ الصَّالحِ من خبرِهِ وضده، فماذَا يدفعُ غالبُ النَّاسِ اليَوم، أنْ يفعلُوا فعلَ الأعْداء، معَ غيرِ عدوّهمْ، عندمَا يَنشرونَ، عن غيرِهم، سيئَ الأخبارِ، وَيعرضُونَ عَنْ حَسَنِهَا؟!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا



GMT 09:12 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النظام الإيراني... على طريقة صدّام

GMT 08:59 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

GMT 08:50 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 08:45 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 08:40 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 08:03 2026 السبت ,25 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 09:51 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

عيوب خطيرة تتسبب في سحب 4.3 مليون سيارة فورد

GMT 10:44 2022 الخميس ,21 إبريل / نيسان

نانسي عجرم بإطلالات أنيقة وجذابة

GMT 13:52 2021 الخميس ,06 أيار / مايو

الكشف عن سكودا فابيا 2022 الجديدة كليا

GMT 14:50 2020 الخميس ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة

GMT 20:08 2020 الأحد ,28 حزيران / يونيو

روسيا تسجل 6791 إصابة جديدة بفيروس كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt