توقيت القاهرة المحلي 17:26:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا!

  مصر اليوم -

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

بقلم:تركي الدخيل

وَمِنْ شُعَرَاءِ الإسْلَامِيِّينَ، وَهُمُ الذِينَ ظَهَرُوا بَعْدَ الإسْلَامِ، وَفِي العَهْدِ الأُمَوِيّ، شَاعِرٌ يُقَالُ لهُ: قَعْنَبُ بنُ ضَمْرَة، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ اللهِ بنِ غَطَفَانَ، وَيُقَالُ لَهُ أيْضًا: قَعْنَبُ ابن أُمِّ صَاحِبٍ، وأمُّ صَاحِب هيَ أمُّ الشَّاعِر، وَلِذَلكَ ذَكرَهُ مُحَمَّدُ بنُ حَبِيبٍ، فِي كِتَابِهِ «مَنْ نُسِبَ إلى أُمِّهِ من الشعراء».

قالَ ابنُ جِنّي، في «تفسير أسماءِ شعراءِ ديوان الحماسة»: «القَعْنَب هو الشديدُ الصلبُ من كل شيء». وقَعْنَب، شَاعرٌ أُمَوِيٌّ، عاشَ أيامَ الخَليفةِ الوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ، وَلهُ أبياتٌ يَهجُوهُ بِهَا. وَمِنْ أشْهرِ شِعرِ قَعنب، أبْياتُه التِي يَشكُو بهَا فِعلَ عَدُوّهِ معَ مَا يَأتِيهِ عَنِ الشَّاعِرِ مِنْ مَدْحٍ وَقَدْحٍ، وَمِنْ ذَلكَ قَولُهُ:

إِنْ يَسْمَعُوا سُبَّةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

وَرُوِيَ البَيتُ بِكَلِمَةِ «رِيبة»، كَمَا يَلِي:

إِنْ يَسْمَعُوا رِيْبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا مِنِّي وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا

الرِّيبَةُ: الشَّكُّ، وَالظِّنَّةُ وَالتُّهْمَةُ. وَالْجَمْعُ: رِيَبٌ. وَالرَّيْبُ: مَا رَابَكَ مِنْ أَمْرٍ. وَرَابَنِي فُلَانٌ يُرِيبُنِي: إِذَا رَأَيْتَ مِنْهُ مَا يُرِيبُكَ وَتَكْرَهُهُ.

السُبَّة: ما يُسَبُّ به من العُيوبِ. فِي «اللّسَان»: السَّبُّ: الشَّتْمُ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَبَّهُ يَسُبُّهُ سَبًّا: شَتَمَهُ. وَالمَعنَى أنَّ خُصُومَ الشَّاعرِ، إذا سَمِعُوا عَنهُ ريبةً عَنهُ، طَارُوا بهَا فَرحًا.

وَ«طارُوا بهَا فرحًا»: ذلكَ لأنَّ السَّعادةَ التي تغمرُ صاحبَها فرحًا، تغشاهُ فتملأ جوانحَهُ، وتنتشرُ في أجزاءِ جسدِهِ كلِّه، حتَّى يَحْسَبُ أَنَّهُ علَى وَشكِ أنْ يَطيرَ، من شِدَّة الفَرحِ. ويُحتمل أن يكونَ المرادُ: أنَّ عدوَّ الشَّاعرِ طَيَّرَ السُّبةَ أَوِ الرّيبَة، بنشرِهَا، وَتَرويجِهَا، وإِشَاعتِهَا بينَ النَّاسِ، وَجَعلِهَا علَى كلِّ لِسَانٍ. يُقَال عنْ فَشْوِ الخَبَرِ وانْتشَارِهِ انتشَارَ النَّارِ فِي الهَشِيم: طَارَ الخبرُ، أيْ ذَاعَ وَعَمَّ وبَلَغَ القَاصِي وَالدَّانِي.

والطيرانُ دلالة على السُّرعةِ عندَ العَربِ، حَتَّى قبل اختراعِ الإنسانِ الطَّيرانَ.

ثم ينتقلُ الشَّاعرُ، ليبيّنَ كيفَ يتعاملُ عَدوُّهُ، مَعَ مَا يَسمعُه عنهُ منَ الخيرِ، وَهوَ ما عبَّر عنه بالصَّالحِ، حيثُ يبادرُ خصمُه لدفنِ الخَبرِ الصَّالحِ عنهُ.

إنَّ عدوَّ الشَّاعر، لا يكتفِي بعدمِ التَّرويجِ للصَّالحِ عنه، بل يذهبُ في الشَّر كلَّ مذهبٍ، إذ يدفنُ كلَّ ما يَسمعُ عنهُ منْ خبرٍ صَالحٍ، حَتَّى لا يبقَى احتمالُ أن يقفَ على هذَا الخبرِ أحدٌ بمجهودِه، لا بنشرِ الخبر وإشاعتِه!

لَقد أحسنَ الشاعر، قعنبُ بنُ ضمرة، في تصويرِ حالِ عدوّه، في التَّعاطِي مع ما يسمعُ من أخبارِ الخير وأخبارِ الشَرِّ عنه، في مجافاةٍ كاملةٍ للإنصاف، ومناقضةٍ تامةِ للعَدل.

مَرَّ عليُّ بن أبي طَالب، رضيَ الله عنه، بفتيانٍ من قريشٍ يتذَاكرُونَ المُرُوءة، فسألَهم: ماذَا تَذاكرُونَ؟ قَالُوا: المُروءةُ. فقالَ عليٌّ، رضيَ اللهُ عنه: المروءةُ الإنصافُ والتَفضُّلُ.

وكانَ عبدُ الملك بن مروانَ، يُحارِبُ مُصعبَ بن الزبير بن العوَّام، فقيلَ لِعبدِ الملكِ: إِنَّ مُصْعَبًا قَد شَرِبَ الشَّرَاب. فَقالَ عبدُ المَلكِ: مُصعبٌ يَشربُ الشَّرَابَ! واللهِ لَوْ عَلِمَ مُصعَبٌ أَنَّ الرّيَّ مِنَ المَاءِ ينقصُ مُروءَتَهُ ما رَوِيَ مِنهَ! فَلمَ تَمنعْ عبدَ الملكِ، حَربُهُ مع مُصعبٍ من إنْصافِه.

وإذَا كانَ قعنب أسهبَ في بيانِ حالِ عدوّهِ معَ الصَّالحِ من خبرِهِ وضده، فماذَا يدفعُ غالبُ النَّاسِ اليَوم، أنْ يفعلُوا فعلَ الأعْداء، معَ غيرِ عدوّهمْ، عندمَا يَنشرونَ، عن غيرِهم، سيئَ الأخبارِ، وَيعرضُونَ عَنْ حَسَنِهَا؟!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا وَمَا سَمِعُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt