توقيت القاهرة المحلي 21:13:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

آلَةُ العَيشِ صِحَةٌ وشَبَابٌ

  مصر اليوم -

آلَةُ العَيشِ صِحَةٌ وشَبَابٌ

بقلم:تركي الدخيل

لم يحتلّ مَوضُوعٌ منَ المَواضيعِ في الشّعرِ العَرَبِيّ ما احتلَّهُ موضوعُ الشّيبِ والشَّبابِ فِي دِيوانِ العَربِ، فكانَ مِنْ ذلكَ قولُ أبِي الطَّيبِ المُتَنَبّي، رَحمهُ اللهُ، فِي بَيتِهِ:

آلَةُ العَيشِ صِحَةٌ وشَبَابٌ فَإِذَا ولَّيَا عَنِ المَرْءِ ولَّى

واعتبرَ المُتَنَبّي الصَّحَةَ والشَّبَابَ آلةَ العَيشِ، يُريدُ أنَّهمَا مَا يَجعَلُ العَيشَ مُستساغاً، مَحبوباً، مُستحسَناً ولذيذاً!

هَلْ قُلْتُ: لَذيذًا؟! لَعَلّيَ نَقلْتُهَا مِنْ شَاعِرنَا!

وَكَانَ ابنُ جِنّي، شَيخُ العَربِيَّةِ، أبُو الفَتحِ، لَا يُسمّي المُتنَبّي إلَّا شَاعرَنَا...

وَكَانَ فَيلسُوفُ المَعرَّةِ، أبُو العَلَاءِ المَعَرّي، لَا يُسمّي المُتَنبّي إلَّا: الشَّاعرَ. يَقولُ: قَال أبُو نُوَاس، قَالَ البُحتُرِي، قَالَ حَبِيب (أبو تمَّام)، فإذَا أرَادَ الحَديثَ عَنِ المُتَنَبّي، قَالَ: قَالَ الشَّاعِرُ.

كَانَ الشَّاعِرُ، الشَّاعِرُ، فِي أبْيَاتِهِ يَشرحُ لنَا أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ لا يُعَبِّر بِتَأفُّفِهِ عن مَلَلِهِ مِنَ الحَيَاة، بِقدرِ ما يُعَبِّرُ عَنْ مَللِهِ منَ الضَّعفِ الَّذِي يلازِمُ الشَّيخوخةَ والتَّقدمَ فِي الحَياةِ، وذَلكَ بقولِهِ:

وإِذَا الشَّيخُ قَالَ أُفٍّ فَمَا مَلْـ ــلَ حَيَاةً وإنَّمَا الضَّعْفَ مَلَّا

ومثلُه قَولُ لَبيد:

ولَقدْ سَئِمتُ مِنَ الحَياةِ وطُولِهَا

وَسُؤالِ هذَا النَّاسِ كَيفَ لَبِيدُ

أمَّا كونِي أَخذتُ لذيذاً من الشَّاعرِ، أبِي الطَّيبِ، فَهوَ قَبْلَ البَيتِ السَّابقِ، يقولُ:

ولَذِيذُ الحَيَاةِ أَنْفَسُ فِي النَّفْ ــسِ وأَشْهَى مِن أَنْ يُمَلَّ وأَحْلَىفالحياةُ الّلذيذةُ، الجَميلةُ، المُستطابةُ، نَفيسةٌ فِي النَّفسِ، والنَّفيسُ هوَ النَّادرُ المُستحبُّ، وهيَ شهيَّةٌ تتطلَّعُ لهَا النُّفوسُ، بل شَهيَّةٌ لِدرجةِ أنَّهَا أشهَى مِنْ أنْ يَملَّهَا أحدٌ، وهيَ حُلوةٌ مَرغوبةٌ.

الحياةُ الحُلوةُ مرغوبةٌ، حتَّى للشَّيخِ الكبيرِ، ولذلكَ فَالشَّيخُ لا يتأفَّفُ منَ الحَياةِ، بل يتأفَّفُ من الضَّعفِ، الذِي يُفسدُ عليهِ استطابتَه للذيذِ الحَياةِ.

وهذَا المَعنَى الدَّقيق، مِنْ لَطائفِ وَقفاتِ أبِي الطَّيّبِ الذَّكيةِ، التي تُظهرُ عمقَ وقوفِه الذَّكِيّ عَلَى المَعانِي الجَليلةِ، والأَفكارِ الجَميلةِ، وهوَ ممَّا يَندرُ أنْ تجدَهُ عندَ غيرِ المُتَنَبّي.

والإنسانُ جاءَ إلى الدُّنيا صَغيراً، فوهبتْهُ الدُّنيا مع الأيامِ آلةَ العَيشِ: الصّحةَ والشبابَ، فلمَّا شاخَ وكبرَ، حَدثَ مَا لمْ يتوقَّعْهُ الإنسَانُ، وعبَّرَ عنهُ المُتَنَبّي، بقولِهِ:

أَبَداً تَسْتَرِدُّ مَا تَهَبُ الدُّنْـ ـيَا فَيَا لَيتَ جُودَهَا كَانَ بُخْلَا نعم...استردَّتِ الدُّنيَا هبتَهَا، بل ذكرَ شاعرُنا أنَّ الدُّنيَا أبداً؛ أيْ: علَى الدَّوامِ تَفعلُ ذلك، فَتستَرِدُّ مَا تَهَبُ.

ولقدْ بلغَ من صعوبةِ إعادةِ هذهِ الهِبَةِ، التِي وهبتْهَا الدُّنيَا للإنسانِ، أن تمنَّى الشَّاعرُ، بقولِه: (فيَا ليتَ)، أنَّ هذهِ الهِبَةَ التِي أقرَّ بأنَّهَا جودٌ من الدُّنيَا... ليتَ، جودَ الدُّنيَا بهَا كانَ بخلاً، فلمْ تهبْهَا منَ الأصْلِ؛ كَيْ لَا تَسترِدَّ هبتَهَا.

وهذَا يعنِي أنَّ الاستمتاعَ بهبةِ الدُّنيا (الصّحةِ والشَّبابِ)، ثم استرداد الدُّنيَا لهمَا من الإنسانِ، أسوأ من عدمِ الحُصولِ علَى هبةِ الدُّنيا أصلًا، فهوَ تمنَّى أنَّ هذه الهِبةَ والجودَ كانَا بخلًا، ولا يكونانِ بخلًا إلَّا بألَّا تحصلَ الهِبةُ.

فهوَ يتمنَّى ألَّا يتحصَّلَ علَى الصّحةِ والشَّبابِ، علَى أن يحصلَ عليهمَا ثم تَجري استعادتُهمَا منه!

دَامَتْ لَكمُ الصّحةُ والشَّبابُ.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آلَةُ العَيشِ صِحَةٌ وشَبَابٌ آلَةُ العَيشِ صِحَةٌ وشَبَابٌ



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt