توقيت القاهرة المحلي 21:56:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الرَّيحانِي والمُؤَسّس: نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا

  مصر اليوم -

الرَّيحانِي والمُؤَسّس نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا

بقلم:تركي الدخيل

كَمَا ارتَفَعَتْ مَوْجَةُ الافتخَارِ بِالأَحْسَابِ، ظَهَرَتْ فِي الشّعْرِ العَرَبِيّ الأبياتُ مَا يُؤكّدُ قَائِلُوهَا أنَّهمْ، عَلَى رَغمِ كَرَمِ أنْسَابِهمْ، لَا يَتَّكِلُونَ عَلَى هَذهِ الأَحْسَابِ. مِنَ الأبيَاتِ الَّتِي أكَّدَتْ فَخْرَ أصْحَابِهَا بمَا يَفْعَلُونَ هُم، لًا بِمَا يَرِثُونَ مِنْ أسْلَافِهِمْ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:

لَسْنَا وإِنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْ يَوماً عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ

نَـبْـنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَـبْـنِـي وَنَفْعَلُ مِثْلَمَا فَعَلُوا

يَقُولُ: إنَّنَا وإنْ كَانَتْ أحْسَابُنَا عَالِيَةَ المَقَامِ، كَرِيمَة الجُذُورِ، لَا نَسْتَنِدُ فِيمَا نَعْتَزُّ بِهِ عَلَى الأَحْسَابِ، ولَا نَتَّكِئُ وَلَا نَتَّكِلُ عَلَيهَا. وَبيَانُهُ كَرَمَ أحْسَابِهِمْ، لِتَأكِيدِ عَدَمِ الاسْتِنَادِ علَى الأَحسَابِ، لَيسَ لِتَوَاضِعِ هَذِه الأَحْسَابِ، بلْ قَنَاعَةٌ بأنَّ الفَخرَ يَكونُ بمَا يقدّمُهُ المَرْءُ مِنْ كَرِيمِ الأَفْعَالِ، مُضِيفاً: (وَنفعَلُ مثلَمَا فَعلُوا)، من الأفعالِ الجَليلةِ، ونتحلَّى مثلَهمْ بِجمِيلِ الخِصَالِ، ونَبِيلِ السَّجَايَا والأفْعَالِ.

إنَّ الشَّاعِرَ حَرِيصٌ علَى تَأكيدِ أنَّهُمْ إضافةً للأوَائلِ، يُقَدّمُونَ لِكرِيمِ أحْسَابِهمْ مَا يزيدُها كَرَماً بِفعلِهمْ هُمْ، لَا بِمجرَّدِ فَخرٍ بِسجلّ الآبَاءِ المُتقدّمِينَ، بل بِفعلٍ كَفِعلِ الأوَائل.

ويُطلقُ علَى المُتقَدّمِينَ من الآبَاءِ والأجْدَادِ مُسَمَّى (الأوَائل)، لأنَّ حَياتَهمْ كَانَتْ الأولَى مُقارنةً بِمَنْ بَعدَهم. البَيتَانِ، مثل مُعظمِ الشّعرِ العَربِيّ، مُختَلفٌ فِي نِسبتِهِمَا، بينَ شَاعريْنِ أُمَوِيَّيْنِ، هُمَا: عبدُ اللهِ بنُ معاويةَ بن عبدِ الله بنِ جعفر بنِ أبِي طَالب (ت131 هـ)، والمُتوكلُ اللَّيثيّ (ت 85 هـ).

وَللبيتَيْنِ قِصَّةٌ طَرِيفَةٌ، جَرَتْ أَحْدَاثُهَا عندمَا زَارَ المُؤرّخُ أمِينُ الرَّيْحَانِي، المُؤسّسَ المَلكَ عبدَ العزيزِ آل سعود، فِي نَجد عام 1924، وكَانتْ زِيارتُه هِي مَادةَ مَا كَتبَ عنْ عبدِ العَزيز، فِي كِتَابِهِ «ملوكُ العرب»، الذِي نشرَهُ عَامَ 1925، وَعَامُنَا الحَالِي 2025 هوَ عَامُ مِئويةِ الكِتَابِ.

لَاحظَ الرَّيحاني، أنَّ أبْيَاتًا مِنَ الشّعْرِ تُكتَبُ فِي مَجَالسِ نَجْدٍ، وَعَلَى مَدَاخِلِ القُصُورِ، منهَا بَيتَانِ، قَالَ إنَّ فيهمَا مَزِيجاً منَ الحِكمَةِ وَمِنَ الخَطَلِ.

وَكَتبَ الرَّيحَانِي، فَقَالَ: «قرأت مرةً في حضور السُّلطان ما كُتِب فوق بابه:

لسنا وإنْ كَرُمتْ أوائِلُنا يومًا على الأنسابِ نتَّكِل جاء مغلوطًا مبنًى لا معنى، فقلتُ، والمعنى ما يهم: ليس أشرف منه مبدأ يا مولاي، ولا أجمل منها حكمة! وإني أجلُّكم وأحترمُ أهلَ نجد؛ لأنَّهم يعملون بها، ولأنَّ السيادةَ والمجد في بيت آل سعود نشأ عنها... ولكن البيت الثاني يا مولاي:

نَبني كَمَا كانتْ أوائِلُنا تَبني وَنَفعلُ مثلَمَا فَعلُوا

هَا هنَا الخطَلُ، هَا هنَا المستنقعُ الذي تنتشرُ منه جراثيمُ أمراضِنا الاجتماعية والسياسية والدينية، وإنَّا إذا تساهَلْنا في تحليل البيت وتفسيره، نسلّم بنصفه الذي لا شكَّ ينفع الشرقيين العملُ به؛ إذ لا أظن أنّنا نستطيع نبْذَ الماضي كلّه بحذافيره، فلا بأس أن نبنيَ كمَا كانت تبنِي أوائلُنا، أن تكونَ حكومتُنا ملكيةً مثلًا، ولكن... فقاطعَني عظمتُه، قائلًا:

نَحنُ نبنِي يا حضرةَ الأستاذ، كمَا كانتْ تبنِي أوائلُنا، ولكنَّنا نفعلُ فوقَ مَا فعلُوا».

وَأمرَ الملكُ بتعديلِ البيتِ، ليكونَ:

نَبني كَمَا كَانتْ أوائِلُنا تَبنِي وَنَفعَلُ «فَوقَ» مَا فَعلُواوَرَوَى المَلكُ فهد بنُ عبدِ العَزيز، أنَّ والدَهُ كَانَ يُرَدّدُ البَيتَ السَّابِقَ، بِكَلِمَةِ (فَوق) مَا فَعَلُوا.

وَاعتبرَ الدُّكتُورُ عَبدُ اللهِ الغذامِي، تَغييرَ المَلكِ عَبدِ العَزِيزِ عِبَارةَ (مِثلَمَا فَعَلُوا) إلَى (فَوقَ مَا فَعَلُوا)، يُمَثّلُ وَعْياً مُبَكّراً مِنْ قِبَلِ المُؤسّسِ، بقيمةِ التَّطْوِيرِ وَبِناءِ دَوْلَةٍ حَدِيثةٍ، لَا تَكُونُ نَمَطِيَّةً تُكَرّرُ مَا فَعَلَ السَّابِقُونَ. وَقَالَ الكَاتِبُ العِرَاقِي الرَّاحِلُ خَالِدُ القَشْطِينِي إنَّ أسْلوبَ الرَّيحَانِي اتَّصَفَ بِالطَّرَافَةِ وَدِقَّةِ المُلَاحَظَةِ، مُمَثِلًا بِقِصّتِنَا ذَاتِهَا، إذِ انطَلقَ الرَّيْحَانِي مِنْ بَيتِ الشّعْرِ لِيَخُوضَ مَعَ المَلِكِ حِوَاراً فَلسَفياً بَنَّاءً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الرَّيحانِي والمُؤَسّس نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا الرَّيحانِي والمُؤَسّس نَفعَلُ «فوقَ» مَا فَعَلُوا



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt