توقيت القاهرة المحلي 00:23:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ!

  مصر اليوم -

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ

بقلم:تركي الدخيل

الافتخَارُ بالأحْسَابِ قديمٌ متجذّرٌ في العَربِ، ومِنْ أجْوَدِهِ قَولُ أبِي الطَّمحَانِ القَينِي، مُفتَخِراً بقومِهِ فِي وَصْفِهِمْ:

أضاءَتْ لَهُم أحْسَابُهُمْ ووجُوهُهم

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نَظَّم الجَزْعَ ثاقِبُهْ

وَهذَا بَيتٌ مِنْ أشْهرِ أبْيَاتِ الشّعرِ العَرَبِيّ، و«يُقَالُ إِنَّ هَذَا البَيْتَ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَب وَأَكْذَبِه وَأَبْلَغِه»، (الدر الفريد وبيت القصيد).

والبَيتُ لأَبِي الطَّمَحَانِ الْقَيْنِيِّ (ت نحو 30 ه‍ـ = نحو 650 م)، وَكَانَ شَاعِراً، فَارِساً، صُعلُوكاً.

وُصِفَ بَيتُ أبِي الطَّمحَانِ بِأنَّهُ مِنْ أَمْدَحِ شِعْرِ العَرَبِ، وَأَكْذَبِهِ، وَأَبْلَغِه.

فَأمَّا الأولَى: (أمْدَح)، فَالوُصولُ إليهَا، وإنْ لمْ يكنْ سَهلاً، إلَّا أنَّهُ لَيسَ مُتَعَذّراً، طَالَمَا تَحَقَّقَتِ الثَّانِيَةُ: (أَكْذَبه).

عَلَى أنّي أَتَحَفَّظُ عَلَى تَكْرَارِ وَصْفِ البَيْتِ، بأنَّهُ أَكْذَبُ مَا قَالَتِ العَرَبِ شِعْراً، وَذَلكَ لِسَبَبَيْنِ:

الأوًّلُ: أنَّ الجَزْمَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، يَسْتَلزمُ الاستقصَاءَ، والإحَاطَةَ بِالكَذَّابِينَ، وهَذَا مِنَ المُتَعَذّرِ مِنَ الأَشْيَاءِ بِالضَّرُورَة.

الثَّانِي: أنَّ حُصُولَ الاتفَاقِ عَلَى الحَالِ، مَعَ مَعرفَةِ الطَّرفينِ بمَا كَانَ وَسَيكُونُ، يَنْفِي الغَرَرَ، ويُبطلُ الجَهَالَةَ، والبَيعَان بِالخيار مَا لم يتفرَّقَا.

فَلَمْ يَقُلِ الشَّاعِرُ لِأحدٍ فِي الدُّنْيَا، بِأنَّهُ سَيَربِطُ أَحْسَابَ المَمْدُوحِينَ وَوُجُوهَهُمْ بِتَيَّارٍ كَهْرُبَائِيّ، يَمُدُّهُمْ بِضَوْءٍ، يُحِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ الكَالِحِ، نَهَاراً مُشْرِقاً!

الجَميعُ يعرف، بدايةً من الممدوح، مروراً بالمادح، وليس نهايةً بالمشاهدين، والمستمعين، بأنَّ الشَّاعرَ يسعَى ليخرقَ الأرضَ طولاً، بالمبالغةِ في المدحِ، ولم يعترضْ إلا بعضَ النقَّاد، الذين لا يمكن أن يرضُوا، لا بمدحٍ ولا بهجاءٍ، ولا يُرضيهمْ صدقٌ ولا كذبٌ، هداهمُ الله، وهَدَّأ بَالَهم.

الشَّاعرُ يقولُ: بأنَّ ممدوحيهِ، لعراقةِ أحْسَابِهمْ، وبَياضِ وجوهِهِمْ، إثرَ حُسنِ فِعَالِهِمْ، أضَاءتْ بالعَراقَةِ والبَيَاضِ، الوُجوهُ والأحْسَابُ، فكانَ هذَا الضّيَاءُ سَبباً في أنْ يُنيرَ اللَّيلُ المُظلمُ إضَاءةً جَعلتْ من اليَسيرِ، أن ينظمَ من ثقبِ الجَزع، وهو منَ الفصوصِ، التي تُصنعُ منهَا القَلائدُ، عبرَ ثقبِ كلّ حبةٍ منهَا، وربطِ حبوبِ الجزع، ونظمِها بخيطٍ، يدخلُ في ثقبِ كلّ حبةٍ، ويجمعهنَّ في العقدِ.

فضياءُ الوجوهِ والأحسابِ، الذي أنارَ اللَّيلَ، جعلَ ثاقبَ الجزعِ، يستطيعُ أن يُدخلَ الحبلَ في الثُّقب، لينظمَ العقد، من شدَّةِ وضوحِ الإضَاءة!ِ

الجزعُ: نوعٌ من العقيقِ، ذي خطوطٍ مستديرةٍ متوازية.

في «خِزانة الأدب»، قال ابنُ حجةَ الحمويّ:

«يُعجبُنِي من أمثلَةِ المُبَالغةِ في المَديحِ قَولُ القائلِ:

أضَاءتْ لهمْ أحسابُهمْ وَوجُوههُمْ

دُجَى اللَّيلِ حتَّى نظّم الجزعَ ثَاقبُه

فَالمَعنَى تمَّ للناظِمِ، لما انتهَى في بيتِه، إلى قولِه: دُجَى الليلِ، ولكنْ زادَ بمَا هو أبلغُ، وأبدعُ، وأغربُ، في قولِه: حتَّى نظَّم الجزع ثاقبُه.

يريدُ أنَّ هذَا البيتَ يمثّلُ قمَّةَ المبالغةِ في المَديحِ. فالشَّاعِرُ لم يكتفِ بوصفِ أنَّ الأحسابَ والوُجوهَ تضيءُ في الظَّلامِ، بل زادَ بأنَّ هذا النورَ يكفي لإضاءةِ عمليةٍ، تحتاج إلى دقَّةٍ بصريَّةٍ عَاليةٍ، مثلَ ثقبِ الخرزِ، ممَّا يجعلُ المُبالغةَ، أكثرَ تأثيراً، وَتَصويراً.

قولُه: نظَّم الجزع: وَصفَ الجزعَ، بأنَّه نوعٌ من العَقيقِ، يُعطِي البيتَ طابعاً من الجَماليةِ البَصريَةِ.

فالعقيقُ بخطوطه المستديرةِ المتوازيةِ، يعكسُ نوعاً من النظامِ والجمالِ، الذي يتناسبُ مع النُّور الذي يصفُه الشَّاعرُ، وكأنَّ النُّورَ ينظم العالمَ من حولِه بجمالٍ وانتظامٍ.

قالَ الحسنُ اليوسي:

«قوله: نظَّم الجزعَ ثاقبُه، يريد أنَّهم لو استضاءَ بضيائِهم في غياهبِ الظَّلام من يثقبُ الخرزَ الذي هو أشدُّ شيءٍ لأبصرَ ذلك، فكيفَ بما هو أظهرُ؟ وهذه غايةُ المبالغةِ في تنزيلِ المعقولِ منزلةَ المحسوسِ».

يلفتُ اليوسي إلى أنَّ الشَّاعرَ يحول المعقولَ (المفهوم)، إلى محسوسٍ، ممَّا يجعل البيتَ، يتجاوزُ كونَه مجردَ مدحٍ، ليصبحَ تجربةً بصريَّةً، وحسيةً للمتلقّي.

وهو مَا يعكسُ قدرةَ الشّعر، على تحويلِ المجَازاتِ، إلى تَجاربَ حيةٍ.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ أمدحُ بيتِ شعرٍ وأكذبُ بيتٍ



GMT 10:44 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

الحرب وقطاع المنسوجات!

GMT 10:41 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

هل يتأثر المتصهينون؟

GMT 10:40 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

لبنان بين هدنة القوة وسلام الضرورة

GMT 10:36 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

مآرب أخرى

GMT 10:33 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

العودة إلى القمر

GMT 10:31 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

عالم الأزمات!

GMT 10:30 2026 السبت ,18 إبريل / نيسان

تخصيب اليورانيوم

GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:37 2023 الجمعة ,03 آذار/ مارس

افتتاح مطعم وجبات خفيفة أثري في إيطاليا

GMT 17:38 2017 الجمعة ,04 آب / أغسطس

قانون للتواصل الاجتماعي

GMT 16:34 2015 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سيارة Toyota Fortuner 2016 بتصميم مختلف كليًا

GMT 08:58 2020 السبت ,29 شباط / فبراير

يتحدث هذا اليوم عن مغازلة في محيط عملك

GMT 11:18 2019 الثلاثاء ,20 آب / أغسطس

اهمية تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

مدرب الاتحاد السكندري يُغير طريقة اللعب بعد رحيل هاني رمزي

GMT 20:04 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

ماسك يتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيجعل سكان العالم أثرياء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt