توقيت القاهرة المحلي 09:06:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

بقلم:تركي الدخيل

كانَ عبدةُ بنُ الطبيبِ التَّميمي الشَّاعر، في أولِ عمرِه من لصوصِ الرّباب، ثم توافرتْ عنده في آخرِ حياتِه سجايَا المروءةِ وأفعالُ النبلاءِ فجعلتْهُ رأساً من رُؤوسِ تَميم.

ويبدو أنَّ إعجابَه المنقطعَ بشخصية زعيمِ تميم، قيسِ بنِ عاصم، جعله ينهجُ نهجَه ويسلكُ دربَه ويحتذِي حذوَه، وقيسٌ هو من سمَّاه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: سيِّدَ أهلِ الوَبر، وكانَ جواداً حليماً حكيماً.

وبلغَ من تعلُّقِ عبدةَ بقيسٍ أنْ أخذَ على نفسِه عهداً ألَّا يسافر إلا جعلَ آخرَ عهدِه بالبلدةِ زيارةَ قيسٍ ليودّعه، وألَّا يعودَ من سفرٍ إلا جعلَ أولَ عهدِه بالبلدة قيسَ بنَ عاصم إذ يبدأ بزيارتِه قبل كلّ نشاط.

ولمَّا ماتَ قيس، رثاه عبدةُ بقصيدةٍ عَرَمْرَمِيَّةٍ من رَوائعِ المَرثياتِ... ولكنْ ماذَا عنْ عهدِه الذِي تعهَّدَه على نفِسه بجعلِ قيسٍ آخرَ عهدِه بأحدٍ قبلَ السَّفر وأولَ عهدِه بأحدٍ إذَا عادَ من السَّفر؟ أتراهُ بموتِ قيسٍ طرحَ عن عاتقِه همَّ التزامِ عَهدٍ صَعْبٍ؟

حاشَا الأوفياء أن يفرحُوا برحيلِ من يحبُّونَ، وحاشَاهم أن ينقضُوا عهداً ولو قطعوهُ لِميَّتٍ!

لَقد واصلَ عبدةُ تعهدَه ولكن معَ قبرِ قيسِ بنِ عاصم، بدلاً من زيارتِه في داره، والحقيقةُ أنَّ القبرَ دارُ الميّت، وسَّع اللهُ علينا كلَّ دار.

قصيدةُ عبدةَ بنِ الطبيب في رثاءِ قيس بن عاصمٍ من فرائدِ قصائدِ الرَّثاء وفيهَا بيتٌ أجمعَ أربابُ الشّعر علَى اعتبارِه أرثَى بيتِ شعرٍ قالتْهُ العربُ، وهو قولُه:

وَمَا كانَ قيسٌ هُلكُهُ هُلكُ وَاحِدٍ ولكنَّهُ بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا

وبلغَ عبدةُ بن الطبيب من العفَّةِ مبلغاً جعلَهُ يترفَّعُ عنِ الهجاءِ، لأنَّه رأى فيه ما يجعلُ صاحبَه يُدنّسُ نفسَه بتتبُّعِ الخطايَا والتقاطِ عيوبِ الخُصُومِ.

كانَ خالدُ بنُ صفوان التَّميمي أحدَ فصحاءِ العربِ وخطبائِهم، وكانَ راويةً للأخبارِ خطيباً مفوَّهاً. قالَ رجلٌ لِخالدٍ: كانَ عبدةُ بنُ الطَّبيب لا يُحسِنُ أن يهجوَ!

فقالَ: لا تقلْ ذلكَ، فَوَاللهِ مَا أبَى عن عِيٍّ، ولكنَّهُ كانَ يترفَّعُ عنِ الهِجَاءِ، ويراهُ ضَعةً، كمَا تركَهُ مروءةً وشرفاً، ثمَّ قالَ:

وأجرأ من رَأَيْتُ بِظَهْرِ غَيْبٍ على عيبِ الرِّجالِ أولو العيوبِ

وصدقَ فإنَّ أهلَ العيوبِ لمَّا تزاحمتِ العيوبُ في سجاياهُمْ، أقدمُوا علَى مُعاقرةِ التَّبجُّحِ وَهَتكِ الحَياءِ فَمَارَسُوا جرأتَهمْ المَنبوذةَ بعيبِ الرّجالِ. والرّجَالُ هنَا ليستْ اسمَ جنسٍ بل كلمةُ تفضيلِ بالأفعالِ الحميدةِ التي تكتملُ بهَا الرُّجولةُ الحَقيقيةُ.

مثل قولِ اللهِ تعالَى: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ...».

«عابَ رجلٌ رجلاً عندَ بعضِ الأشْرَافِ فَقَالَ لَه: قد استدللتَ علَى كثرةِ عيوبِكَ بمَا تُكثرُ منْ عيبِ النَّاسِ، لأنَّ الطالبَ للعيوبِ إنَّمَا يطلبُهَا بقدرِ مَا فيهِ منهَا.

وأولُ منْ بدَا بهذَا المَنهجِ كَانَ إبليسُ فإنَّ اللهَ لمَّا أخرجَه منَ الجّنَّةِ لأنَّهُ أبَى أنْ ينفّذَ أمرَ ربِّه بِالسُّجودِ لآدَمَ، قالَ: «فبعزّتِك لأغوينَّهم أجمعينَ إلَّا عبادَك منهم المخلَصِين» إلَّا أنَّ إبليسَ زادَ علَى العائبين، فوقَ العيبِ والتعييبِ العملَ علَى إغواءِ النَّاسِ عياذاً باللهِ العظيمِ من شرِّ الشيطان الرجيم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt