توقيت القاهرة المحلي 19:08:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

بقلم:تركي الدخيل

كانَ عبدةُ بنُ الطبيبِ التَّميمي الشَّاعر، في أولِ عمرِه من لصوصِ الرّباب، ثم توافرتْ عنده في آخرِ حياتِه سجايَا المروءةِ وأفعالُ النبلاءِ فجعلتْهُ رأساً من رُؤوسِ تَميم.

ويبدو أنَّ إعجابَه المنقطعَ بشخصية زعيمِ تميم، قيسِ بنِ عاصم، جعله ينهجُ نهجَه ويسلكُ دربَه ويحتذِي حذوَه، وقيسٌ هو من سمَّاه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: سيِّدَ أهلِ الوَبر، وكانَ جواداً حليماً حكيماً.

وبلغَ من تعلُّقِ عبدةَ بقيسٍ أنْ أخذَ على نفسِه عهداً ألَّا يسافر إلا جعلَ آخرَ عهدِه بالبلدةِ زيارةَ قيسٍ ليودّعه، وألَّا يعودَ من سفرٍ إلا جعلَ أولَ عهدِه بالبلدة قيسَ بنَ عاصم إذ يبدأ بزيارتِه قبل كلّ نشاط.

ولمَّا ماتَ قيس، رثاه عبدةُ بقصيدةٍ عَرَمْرَمِيَّةٍ من رَوائعِ المَرثياتِ... ولكنْ ماذَا عنْ عهدِه الذِي تعهَّدَه على نفِسه بجعلِ قيسٍ آخرَ عهدِه بأحدٍ قبلَ السَّفر وأولَ عهدِه بأحدٍ إذَا عادَ من السَّفر؟ أتراهُ بموتِ قيسٍ طرحَ عن عاتقِه همَّ التزامِ عَهدٍ صَعْبٍ؟

حاشَا الأوفياء أن يفرحُوا برحيلِ من يحبُّونَ، وحاشَاهم أن ينقضُوا عهداً ولو قطعوهُ لِميَّتٍ!

لَقد واصلَ عبدةُ تعهدَه ولكن معَ قبرِ قيسِ بنِ عاصم، بدلاً من زيارتِه في داره، والحقيقةُ أنَّ القبرَ دارُ الميّت، وسَّع اللهُ علينا كلَّ دار.

قصيدةُ عبدةَ بنِ الطبيب في رثاءِ قيس بن عاصمٍ من فرائدِ قصائدِ الرَّثاء وفيهَا بيتٌ أجمعَ أربابُ الشّعر علَى اعتبارِه أرثَى بيتِ شعرٍ قالتْهُ العربُ، وهو قولُه:

وَمَا كانَ قيسٌ هُلكُهُ هُلكُ وَاحِدٍ ولكنَّهُ بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا

وبلغَ عبدةُ بن الطبيب من العفَّةِ مبلغاً جعلَهُ يترفَّعُ عنِ الهجاءِ، لأنَّه رأى فيه ما يجعلُ صاحبَه يُدنّسُ نفسَه بتتبُّعِ الخطايَا والتقاطِ عيوبِ الخُصُومِ.

كانَ خالدُ بنُ صفوان التَّميمي أحدَ فصحاءِ العربِ وخطبائِهم، وكانَ راويةً للأخبارِ خطيباً مفوَّهاً. قالَ رجلٌ لِخالدٍ: كانَ عبدةُ بنُ الطَّبيب لا يُحسِنُ أن يهجوَ!

فقالَ: لا تقلْ ذلكَ، فَوَاللهِ مَا أبَى عن عِيٍّ، ولكنَّهُ كانَ يترفَّعُ عنِ الهِجَاءِ، ويراهُ ضَعةً، كمَا تركَهُ مروءةً وشرفاً، ثمَّ قالَ:

وأجرأ من رَأَيْتُ بِظَهْرِ غَيْبٍ على عيبِ الرِّجالِ أولو العيوبِ

وصدقَ فإنَّ أهلَ العيوبِ لمَّا تزاحمتِ العيوبُ في سجاياهُمْ، أقدمُوا علَى مُعاقرةِ التَّبجُّحِ وَهَتكِ الحَياءِ فَمَارَسُوا جرأتَهمْ المَنبوذةَ بعيبِ الرّجالِ. والرّجَالُ هنَا ليستْ اسمَ جنسٍ بل كلمةُ تفضيلِ بالأفعالِ الحميدةِ التي تكتملُ بهَا الرُّجولةُ الحَقيقيةُ.

مثل قولِ اللهِ تعالَى: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ...».

«عابَ رجلٌ رجلاً عندَ بعضِ الأشْرَافِ فَقَالَ لَه: قد استدللتَ علَى كثرةِ عيوبِكَ بمَا تُكثرُ منْ عيبِ النَّاسِ، لأنَّ الطالبَ للعيوبِ إنَّمَا يطلبُهَا بقدرِ مَا فيهِ منهَا.

وأولُ منْ بدَا بهذَا المَنهجِ كَانَ إبليسُ فإنَّ اللهَ لمَّا أخرجَه منَ الجّنَّةِ لأنَّهُ أبَى أنْ ينفّذَ أمرَ ربِّه بِالسُّجودِ لآدَمَ، قالَ: «فبعزّتِك لأغوينَّهم أجمعينَ إلَّا عبادَك منهم المخلَصِين» إلَّا أنَّ إبليسَ زادَ علَى العائبين، فوقَ العيبِ والتعييبِ العملَ علَى إغواءِ النَّاسِ عياذاً باللهِ العظيمِ من شرِّ الشيطان الرجيم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب



GMT 10:41 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 10:39 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

البُكاءُ لا يَردُّ الأمواتَ!

GMT 10:37 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 10:36 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأوروبيون من أصول مهاجرة مختلفو الرؤى

GMT 10:35 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 10:34 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 11:00 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:54 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

أغنياء المدينة ومدارس الفقراء

GMT 12:10 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 11:53 2026 الأحد ,04 كانون الثاني / يناير

جميل عازار وداعا

GMT 05:29 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

مفاجآت بشأن تجديد عقد بن شرقي مع الزمالك

GMT 06:50 2025 الأربعاء ,06 آب / أغسطس

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 17:43 2020 السبت ,19 كانون الأول / ديسمبر

نيللي كريم تريند جوجل بعد احتفالها بعيد ميلادها

GMT 23:54 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جهاز الزمالك يعترض على قرارات حكم مباراة النصر

GMT 13:48 2021 السبت ,27 شباط / فبراير

ميسي يتبرع بحذاء خاص قبل مواجهة إشبيلية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt