توقيت القاهرة المحلي 23:17:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

  مصر اليوم -

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب

بقلم:تركي الدخيل

كانَ عبدةُ بنُ الطبيبِ التَّميمي الشَّاعر، في أولِ عمرِه من لصوصِ الرّباب، ثم توافرتْ عنده في آخرِ حياتِه سجايَا المروءةِ وأفعالُ النبلاءِ فجعلتْهُ رأساً من رُؤوسِ تَميم.

ويبدو أنَّ إعجابَه المنقطعَ بشخصية زعيمِ تميم، قيسِ بنِ عاصم، جعله ينهجُ نهجَه ويسلكُ دربَه ويحتذِي حذوَه، وقيسٌ هو من سمَّاه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم: سيِّدَ أهلِ الوَبر، وكانَ جواداً حليماً حكيماً.

وبلغَ من تعلُّقِ عبدةَ بقيسٍ أنْ أخذَ على نفسِه عهداً ألَّا يسافر إلا جعلَ آخرَ عهدِه بالبلدةِ زيارةَ قيسٍ ليودّعه، وألَّا يعودَ من سفرٍ إلا جعلَ أولَ عهدِه بالبلدة قيسَ بنَ عاصم إذ يبدأ بزيارتِه قبل كلّ نشاط.

ولمَّا ماتَ قيس، رثاه عبدةُ بقصيدةٍ عَرَمْرَمِيَّةٍ من رَوائعِ المَرثياتِ... ولكنْ ماذَا عنْ عهدِه الذِي تعهَّدَه على نفِسه بجعلِ قيسٍ آخرَ عهدِه بأحدٍ قبلَ السَّفر وأولَ عهدِه بأحدٍ إذَا عادَ من السَّفر؟ أتراهُ بموتِ قيسٍ طرحَ عن عاتقِه همَّ التزامِ عَهدٍ صَعْبٍ؟

حاشَا الأوفياء أن يفرحُوا برحيلِ من يحبُّونَ، وحاشَاهم أن ينقضُوا عهداً ولو قطعوهُ لِميَّتٍ!

لَقد واصلَ عبدةُ تعهدَه ولكن معَ قبرِ قيسِ بنِ عاصم، بدلاً من زيارتِه في داره، والحقيقةُ أنَّ القبرَ دارُ الميّت، وسَّع اللهُ علينا كلَّ دار.

قصيدةُ عبدةَ بنِ الطبيب في رثاءِ قيس بن عاصمٍ من فرائدِ قصائدِ الرَّثاء وفيهَا بيتٌ أجمعَ أربابُ الشّعر علَى اعتبارِه أرثَى بيتِ شعرٍ قالتْهُ العربُ، وهو قولُه:

وَمَا كانَ قيسٌ هُلكُهُ هُلكُ وَاحِدٍ ولكنَّهُ بُنيانُ قومٍ تَهَدَّمَا

وبلغَ عبدةُ بن الطبيب من العفَّةِ مبلغاً جعلَهُ يترفَّعُ عنِ الهجاءِ، لأنَّه رأى فيه ما يجعلُ صاحبَه يُدنّسُ نفسَه بتتبُّعِ الخطايَا والتقاطِ عيوبِ الخُصُومِ.

كانَ خالدُ بنُ صفوان التَّميمي أحدَ فصحاءِ العربِ وخطبائِهم، وكانَ راويةً للأخبارِ خطيباً مفوَّهاً. قالَ رجلٌ لِخالدٍ: كانَ عبدةُ بنُ الطَّبيب لا يُحسِنُ أن يهجوَ!

فقالَ: لا تقلْ ذلكَ، فَوَاللهِ مَا أبَى عن عِيٍّ، ولكنَّهُ كانَ يترفَّعُ عنِ الهِجَاءِ، ويراهُ ضَعةً، كمَا تركَهُ مروءةً وشرفاً، ثمَّ قالَ:

وأجرأ من رَأَيْتُ بِظَهْرِ غَيْبٍ على عيبِ الرِّجالِ أولو العيوبِ

وصدقَ فإنَّ أهلَ العيوبِ لمَّا تزاحمتِ العيوبُ في سجاياهُمْ، أقدمُوا علَى مُعاقرةِ التَّبجُّحِ وَهَتكِ الحَياءِ فَمَارَسُوا جرأتَهمْ المَنبوذةَ بعيبِ الرّجالِ. والرّجَالُ هنَا ليستْ اسمَ جنسٍ بل كلمةُ تفضيلِ بالأفعالِ الحميدةِ التي تكتملُ بهَا الرُّجولةُ الحَقيقيةُ.

مثل قولِ اللهِ تعالَى: «لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ...».

«عابَ رجلٌ رجلاً عندَ بعضِ الأشْرَافِ فَقَالَ لَه: قد استدللتَ علَى كثرةِ عيوبِكَ بمَا تُكثرُ منْ عيبِ النَّاسِ، لأنَّ الطالبَ للعيوبِ إنَّمَا يطلبُهَا بقدرِ مَا فيهِ منهَا.

وأولُ منْ بدَا بهذَا المَنهجِ كَانَ إبليسُ فإنَّ اللهَ لمَّا أخرجَه منَ الجّنَّةِ لأنَّهُ أبَى أنْ ينفّذَ أمرَ ربِّه بِالسُّجودِ لآدَمَ، قالَ: «فبعزّتِك لأغوينَّهم أجمعينَ إلَّا عبادَك منهم المخلَصِين» إلَّا أنَّ إبليسَ زادَ علَى العائبين، فوقَ العيبِ والتعييبِ العملَ علَى إغواءِ النَّاسِ عياذاً باللهِ العظيمِ من شرِّ الشيطان الرجيم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب وصلُ الحبيب في مزايا عبدةَ بن الطبيب



GMT 21:15 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

لماذا لا يستأنف ترامب الحرب؟!

GMT 09:52 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل

GMT 09:42 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

أيُّ الرِّجال المُهَذَّب؟!

GMT 09:36 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل سكت ناقوس 5 يونيو؟

GMT 09:34 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

هل يمكن السيطرة على قنبلة الذكاء الاصطناعي؟

GMT 09:32 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

مطار مدني تحت النيران

GMT 09:27 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

منتدى سان بطرسبرغ والمستقبل المستقر

GMT 07:53 2026 السبت ,06 حزيران / يونيو

من يصنع الوعى فى عصر المؤثرين؟

نانسي عجرم تخطف الأنظار بتصاميم نيكولا جبران في جولتها العالمية

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt