توقيت القاهرة المحلي 11:53:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهزيمة حين تنتحل النصر

  مصر اليوم -

الهزيمة حين تنتحل النصر

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

العادةُ غالبةٌ، وفي العالم العربي تعوَّدتِ الشعوبُ على تجرُّع الهزيمةِ وتعوَّدت أن تُجبرَ جبراً بعدها على تجرُّع التبريرات اللئيمة، فكانَ يقال لها في لحظة الهزيمة النكراء إنَّها انتصرت، كما جرى في حرب 1967 حين حلَّت الهزيمة النكراء، ولكن عقول بعض السياسيين والصحافيين حينذاك تجلّت عن مصطلحٍ جديدٍ لتعريف «الهزيمة»، فكتب محمد حسنين هيكل عن «النكسة» في محاولة منه لتضليل الجماهير وخداع الملايين في العالم العربي.

واستمرّ هيكل في نهجه القديم، وحين تمّ اغتيال السادات على يد الجماعات الإرهابية، خرج من السجن، وألَّفَ كتابه عن أنجح الرؤساء المصريين «خريف الغضب»، زعم فيه أنَّ السادات كان مأزوماً من لونه، وأنه (أي هيكل) قد تعلم في السجن من «الإخوان المسلمين» والإرهابيين كيف يتوضأ بكأس من الماء.

زعم صدام حسين أنه انتصر في 1990 ضد الكويت والسعودية والتحالف الدولي، واستسلم لشروط إنهاء الحرب، ثم زعم في 2003 أنه انتصر مجدداً على التحالف الدولي، وبرَّر له محمد الصحّاف كلَّ تلك الحماقات بما يشبه تبريرات أحمد سعيد في إذاعة «صوت العرب» لعبد الناصر، ولا يشبه تنظيرات هيكل. أخبار اليوم تنقل مراراً وتكراراً عن إيران بأنَّها تسعى جاهدةً للتبرؤ من كل «ميليشياتها» في العراق واليمن وفلسطين ولبنان، وأنَّها غيَّرت استراتيجيتها السابقة في الزعم بأنَّها تسيطر على عواصم عربية إلى استراتيجية البراءة، وأنَّ تلك الميليشيات المسلحة والتنظيمات الإرهابية تتخذ قراراتها بنفسها، وليست لها أي علاقةٍ بإيران وبمشروعها التوسعي لفرض الهيمنة وبسط النفوذ في المنطقة.

تنقل وسائل الإعلام والصحافة عن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أنَّ «الميليشيات» في العراق لها قرارٌ مستقلٌ لا علاقة له بإيران، ولا يصدق هذه التصريحات إلا من صدّق من قبل أن «ميليشيا الحوثي» لا تتبع إيران، ومن صدّق أن إيران لا علاقة لها بـ«حزب الله» اللبناني ولا بـ«حركة حماس» الفلسطينية.

من لا يعرف التاريخ لا يحسن التعامل مع الواقع، ومع كل الاضطرابات الحالية والتناقضات السياسية الطبيعية، والاضطرابات التحليلية المتقافزة ذات اليمين وذات الشمال، فإن المشهد الحالي لا يوحي بشيء سوى أن «إيران» اليوم تتبع نهج «عبد الناصر» و«صدام» في لحظة الهزيمة المنكرة، وتسعى لتغيير مفاهيم النصر والهزيمة، وتعتمد المكابرة عالية الصوت للحفاظ على ما تبقى من إرث أوهامٍ التوسع الإمبراطوري والهيمنة الآيديولوجية.

لو جاء هيكلٌ جديدٌ لتضليل الرأي العام لكانت له مقولتان رئيسيتان لتعمية المشهد وخداع الشعوب: أولاهما، «نهاية الإسلام السياسي»، وأن جماعاتٍ ومفاهيم وتنظيماتٍ بنيت في عقودٍ من الزمن «انتهت» و«تلاشت» في سنواتٍ معدودةٍ، وأن المحور الأصولي تنازلت عنه الدول التي كانت تدعمه في المنطقة، والثانية: أن كل ما مضى من استراتيجيات إيران وخططها وميليشياتها التي دعمتها قد «اختفت» نهائياً ودون رجعةٍ، وأن محورها قد انتهى وتلاشى، وكأن الأحلام والأماني يمكن أن تغير الواقع وتتحكم في مسار التاريخ.

أسئلة سهلةٌ تساعد على محاكمة مثل هذه المقولات، هل انتهت «الصحوة» مثلما انتهت «النازية» و«الفاشية»؟ وهل هُزِمَ المحوران الأصولي والطائفي في المنطقة سياسياً وعسكرياً مثلما انتهى صدام حسين ونظامه؟ هذان سؤالان صغيران، ولكنهما يحملان دلالات كبيرة في قراءة المشهد المعاصر ومحاكمة أفكاره ومفاهيمه، فإن كانت «الصحوة» قد انتهت فعلياً، فما كل هذه التجليات الصحوية في كل المجالات، وإن كانت بعباءاتٍ جديدةٍ وأشكالٍ غير مريبةٍ لا تخبئ إلا الأفكار القديمة ذاتها والمفاهيم العتيدة؟ وإن كانت المحاور المعادية للعرب في المنطقة قد هزمت، فلماذا لم تعلن الاستسلام ولماذا بقيت دولها القائدة لها قائمةً وتتقوى؟

وهناك أسئلةٌ أخرى وأوضاع معقدة تثير أسئلةً أكثر وأكبر تجاه الأحداث الكبرى في المنطقة والتغيرات الهائلة التي تجري فيها، ويمكن للمتابع طرحها بسهولة بمجرد استعراض الأخبار اليومية. بعض هذه الأسئلة مهمةٌ كذلك، ففي لبنان، لماذا يصر «حزب الله» اللبناني على رفض نزع سلاحه وتسليمه للدولة؟ ولماذا ما زالت إيران تدعمه علناً وتسعى لوضع العصي في الدواليب أمام بناء دولة لبنانية مستقلةٍ تحتكر حق العنف؟ وفي فلسطين لماذا تصرّ حركة «حماس» على الاحتفاظ بسلاحها لآخر لحظةٍ وهو السلاح الذي لم يتضرر منه سوى الشعب الفلسطيني في غزة؟

وقل مثل هذا في اليمن، حيث تعيث «ميليشيا الحوثي» فساداً في عرض البلاد وطولها، فلماذا يترك لها الحبل على الغارب؟ وفي العراق ما زالت «الميليشيات المسلحة» من شتى الفصائل والأحزاب تتسلح وتتقوى لتكون بديلاً عن «الجيش» وتمتلك من الأسلحة ما لا يمتلكه الجيش؟

أخيراً، فالهزيمة هزيمة مهما انتحلت النصر، والمحلل الذي تخدعه المظاهر دون الغوص في الأعماق يحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث والتعلّم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهزيمة حين تنتحل النصر الهزيمة حين تنتحل النصر



GMT 06:22 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

فواكه سحرية

GMT 06:16 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع: سُرَّ من رأى... ثم حزن!

GMT 06:13 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

أمريكا وإيران.. وسقوط أسطوانة الديمقراطية

GMT 06:10 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

أولويات وخيارات متناقضة أمام العالم

GMT 06:02 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

النظام الدولي والظهير الأخلاقي

GMT 06:01 2026 الأحد ,22 شباط / فبراير

«بكرين» و«صدامين»

الأميرة رجوة تتألق بإطلالة رمضانية في صورة مع ولي العهد الأردني

عمان ـ مصر اليوم

GMT 21:50 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي
  مصر اليوم - دراسة تحدد تأثير الهواتف على التحصيل الدراسي

GMT 23:51 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

مرشح لرئاسة برشلونة يقدّم وعدا ينتظره الجميع
  مصر اليوم - مرشح لرئاسة برشلونة يقدّم وعدا ينتظره الجميع

GMT 09:36 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

وفاة عادل هلال بعد مسيرة فنية حافلة

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:04 2025 الأربعاء ,23 تموز / يوليو

دونجا يبحث عن عروض للرحيل عن الزمالك

GMT 06:16 2025 الثلاثاء ,15 تموز / يوليو

ديكورات "مودرن" وعمليّة في غرف الجلوس

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل الملابس الرجالية التي يمكن أن يختارها لترافقه

GMT 07:32 2021 الأربعاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

أداة رخيصة للعرض!

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:43 2020 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على سبب انفصال كمال أبو رية عن زوجته

GMT 08:21 2020 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

هاني رمزي يسخر من عروض أصحاب المحلات بسبب كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt