توقيت القاهرة المحلي 12:59:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رمضان والسياسة

  مصر اليوم -

رمضان والسياسة

بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

ليس للسياسة وقتٌ معينٌ ولا تاريخٌ محددٌ، فهي مع البشر وتحولاتهم ومع الإنسانية وتناقضاتها ومع الشعوب ومصالحها مثل ربان السفينة الماهر، الذي يحسن التعامل مع كل التموجات والتقلبات والتعرجات، ليضمن أن ترسو سفينته وطاقمها الموالي على بر الأمان والنجاح والتفوّق.

تلك هي السياسة القادرة على التقلب من أجل المصالح والتغير من أجل الأمن والتطور من أجل التنمية، وليست مثلها المواسم الدينية أو الشعائر التعبدية في الإسلام، كشهر رمضان المبارك أو الأشهر الحرم أو الحج أو غيرها من المواسم الدينية المحددة بوقتٍ معينٍ وفترةٍ محددةٍ، وهي لا تتغير ولا تتقلب ولا تتناقض، حيث إنها عباداتٌ تسعى لتأدية الشعائر وترقية الإيمان ورفعة الدرجات.

في العصر الحديث، فإنَّ المعركة التي انتصر فيها العرب على إسرائيل هي معركة مصر في «العاشر من رمضان»، التي كانت معركةً تاريخيةً بكل المقاييس، وهي المعركة التي تمت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وأصبحت يوماً للعزة والفخار الوطني في مصر، ورمزاً لإمكانية النصر على الرغم من الهزائم المتعددة، وأثبتت فعلياً أنَّ الحرب خدعةٌ كما صنع السادات وانتصر، وليست شعاراتٍ كما كانت في زمن قبله في 1967.

شُرع صيام رمضان في العام الثاني للهجرة المحمدية، وصار رابعَ أركان الإسلام، وحدثت فيه على طول التاريخ الإسلامي غزواتٌ وانتصاراتٌ، وتوسعٌ للدولة الجديدة قدّم نموذجاً لما جاء بعده في التاريخ، فغزوة بدرٍ كانت في رمضان، وفتح مكة كان في رمضان، وكذلك فتح مصر فيما بعد، وغير ذلك من الأحداث التي استمرت قروناً من الزمن.

اليوم في العالم الإسلامي، وفي العالم أجمع بات رمضان موسماً مع الحج ومع العمرة، كلٌ في وقته، موسماً لتأكيد وتوطيد الشرعية السياسية السعودية، من شرق الأرض إلى غربها ومن شمالها لجنوبها، حيث يتَّجه مليار ونصف مليار مسلم لمكةَ المكرمة في الصلاة المفروضة خمس مراتٍ في اليوم والليلة بالإضافة إلى النوافل، والسعودية هي بالإجماع قائدة الإسلام وهي رائدته وموجهة بوصلته، في تواريخ معلومة ومواقف مشهودةٍ منذ الدولة السعودية الأولى، وصولاً إلى الملك عبد العزيز والدولة السعودية الحديثة.

لقد كانت تعبيرات النصوص النبوية واضحةً في أن مكة والمدينة مهبطا الوحي ومهدا الرسالة ومنطلقا الإسلام، وجَعْل المدينة النبوية المأرز الذي يُلتجأ إليه في نهاية الزمان، وفي الحديث المتفق عليه «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها».

كل هذا وغيره يوضح ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة السعودية في كثير من القضايا المهمة والحساسة، وهو ثقلٌ كبيرٌ ومسؤولية ضخمةٌ حملتها السعودية وستحملها لأنَّها تدرك حجم مسؤولياتها، وتدرك إمكاناتها في الوفاء بتلك المسؤولية، وخاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين التي لم تنِ السعودية جهداً على مدى عقودٍ من الزمن، منذ النكبة وإلى اليوم، عن تقديم جميع أشكال الدعم المادي والمعنوي، والسعودية سعت بعقلانيةٍ وواقعيةٍ سياسيةٍ سابقةٍ لعصرها، وبكل جديةٍ لتبنّي حلول السلام مع إسرائيل، منذ «مشروع فهد» مطلع الثمانينات الميلادية حتى «المبادرة السعودية» للسلام التي أصبحت بعد الإجماع العربي تسمى «المبادرة العربية للسلام» بعد قمة بيروت 2002.

موقف السعودية واضحٌ اليوم كما كان واضحاً بالأمس، حلّ الدولتين، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه، تبنّت هذا الموقف بكل عقلانية وبكل واقعيةٍ سياسيةٍ، ومن هنا فإنَّ أي محاولةٍ للضغط على الموقف السعودي لن تؤتي أكلها أبداً.

لقد رفضت السعودية بوضوحٍ أحداث السابع من أكتوبر، وسعت جهدها لتخفيف الحرب الإسرائيلية الوحشية على سكان غزة الذين تمّ رميهم نهباً للآلة العسكرية الإسرائيلية، وقدمت السعودية كل الدعم لأهالي غزة من قبل ومن بعد، وهي اليوم عضوٌ في «مجلس السلام بغزة» الذي تم تشكيله بناء على قرارٍ من مجلس الأمن، وهو مجلسٌ يسعى لفتح مستقبلٍ جديدٍ لغزة وسكانها وللقضية الفلسطينية برمتها.

كانت للخوارج المجرمين في القرون الأولى من الإسلام شِنعٌ مستنكرةٌ، وجرائم مستبشعةٌ كتب عنها مؤرخو الفرق الإسلامية مثل ابن حزمٍ والشهرستاني وغيرهما، ولكنّ شنع جماعات الإرهاب الحديث والمعاصر على الرغم من أنَّها تشبهها في الشناعة، لكنها ربما تفوّقت عليها في البشاعة والتوحش، لأنها تستخدم الأدوات الحديثة والمخترعات الإنسانية الجديدة، وكذلك تفوّقت عليها في حجم التنظير الطويل والعريض لجعل تلك الشنع والبشاعات والتوحش أمراً دينياً مستساغاً.

أخيراً، فإنَّ للتاريخ دروساً من لم يستوعبها فسيحسب أن التاريخ يعيد نفسه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رمضان والسياسة رمضان والسياسة



GMT 06:14 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأدلة العلمية مزعجة لمدمن الخرافة

GMT 06:12 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

على أمل أن نكون بخير فعلًا العام القادم

GMT 06:11 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

عراق ما بعد صدام

GMT 06:09 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

سيناء

GMT 06:07 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

بغداد كانت البداية

GMT 06:06 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الغزو البرى ممنوع

GMT 06:04 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

الأهلى والزمالك !

GMT 05:45 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

إيران بين المعرفة والانحياز المسبق

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 09:56 2026 الإثنين ,04 أيار / مايو

محمد صلاح أيقونة خالدة في تاريخ ليفربول
  مصر اليوم - محمد صلاح أيقونة خالدة في تاريخ ليفربول

GMT 02:35 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

شرق أوسط جديد “مشوّه”!

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:58 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

دعاء سماع الأذان والأذكار المستحبة

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 15:33 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تقنية جديدة لمساعدة الروبوتات على التكيف مع البيئة المحيطة

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 01:17 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرات الأسهم الأميركية تبدأ تداولاتها على ارتفاع

GMT 21:15 2021 الخميس ,15 تموز / يوليو

حسين الجسمي يطرح "حته من قلبي" على "يوتيوب"

GMT 11:08 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

البنك المركزي المصري يطرح أذون خزانة بقيمة 15 مليار جنيه

GMT 02:03 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

سلالة كورونا الجديدة تعيد أسعار النفط إلى ما قبل 6 أشهر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt