توقيت القاهرة المحلي 07:30:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نحو عام جديد... نرفعُ الأشرعة

  مصر اليوم -

نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة

بقلم:جمعة بوكليب

بمرور الوقت، تعوّدنا نحن البشر لدى نهاية عام وبدء آخر، على ألا تأتي الرياح بما تشتهي قلوبنا من أمنيات. لا أحد يلوم الرياح على خذلانها لنا، أو يجبرها قسراً على تغيير اتجاهها بما يتفق واتجاه مراكب أمانينا.

وإذا صدّقنا المؤرخ اليوناني هيرودوتوس، فإنَّ الليبيين من دون شعوب الأرض قاطبة، هم من تجرأ على محاربة الرياح، بأن اختاروا التصدي لـ«ريح القبلي» في سابقة تاريخية أولى وأخيرة؛ إذ يقول هيرودوتوس إن قبيلة قديمة ليبية ضاقت ذرعاً بما تفعله تلك الرياح المسمومة بالزرع والضرع، وقرروا التصدي لها بأن ارتدوا لباسَ الحرب وخرجوا لملاقاتها، فلم يعد منهم أحد.

الليبيون يصفون أنفسهم بأنَّهم «شعب صعب عناده». والوصف، رغم نبرة السُّخرية الصريحة فيه، لا يخلو من حقيقة. وعنادهم ليس في حاجة حتى إلى مؤرخ في شهرة هيرودوتوس لتأصيله، وهو الذي قال: «من ليبيا يأتي الجديد».

ها نحن، مرة أخرى، نقف على مسافة أيام قليلة من نهاية عام وبدء آخر. وها نحن، ككل مرة، نستعد لمصافحة أحبابنا وتهنئتهم بالقادم الجديد متمنين لهم تحقيق الأماني والرغبات والأحلام. بعضنا قرر الكفَّ عن تكرار ممارسة هذه اللعبة بدافع الملل؛ إذ ما الجدوى من أن تتمنى أمنية صغيرة على مدار السنين ولا تراها تتحقق؟ هؤلاء يصنّفون عادة تحت خانة المتشائمين، وليس بمستطاع أحد لومهم. وفي المابين يوجد «المتشائلون»، أو بالأحرى الحذرون، الذين يفضلون ألا يضعوا كل بيضهم في سلة واحدة.

رحمةُ الله لا تنقطع من الأرض والطمعُ فيها لا يتوقف. والأملُ كذلك بذر بذوره في القلب الإنساني منذ قديم الزمن وما يزال يزهر في أغلب القلوب. والأعوام لامبالية، كما عرفناها، تواصل سيرها غير ملتفتة لما نشتهيه أو نخافه. والحلم بغد أفضل وبحياة إنسانية تسودها المحبة والإخاء لن يطفأ؛ إذ لو حدث ذلك لفقدت الحياة الإنسانية معناها.

وعن العام الجديد 2026، لا نتوقع - حسب المعطيات الموجودة - أن يكون أفضل من سابقه أو متميّزاً عنه. بمعنى أننا خلاله قد لا نشهد نهاية مأمولة للحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو بين الأخوة الأعداء في السودان، ولا نطمع أن تغيّر قوات الاحتلال الإسرائيلي من مسلكها ضد سكان قطاع غزة، أو يتوقف المستوطنون الصهاينة عن التوسع في الضفة الغربية، أو تعترف حكومة الائتلاف اليميني بحق الفلسطينيين في العيش في دولة مستقلة. ومن المحتمل أن نشهد الأميركيين يخوضون بقواتهم في أوحال مستنقعات حرب أخرى، هذه المرّة في حديقتهم الخلفية في فنزويلا. فهم قد بدأوا التحضيرات لها منذ وقت. وسوءُ الأحوال في القارة الأفريقية وحروبها التي لا تنتهي ستتواصل، وبالتالي يتواصل مسلسل الهجرة غير القانونية. أما في بلدي ليبيا، لن تحدث معجزة فجأة وتتفق الأطراف على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تخرجنا من النفق المعتم الذي انزلقنا فيه منذ سنوات.

ربما لتلك الأسباب المُحزنة نستقبل العام الجديد بقلوب متعبة، لكنها في الوقت ذاته قلوب مؤمنة. هذا الإيمان ليس مبنياً على أوهام وأضغاث أحلام، بل على نظرة استشرافية للتاريخ الإنساني في مسيرته الطويلة. وهذا، على وجه التحديد، ما يجعلنا نرفع أشرعة مراكبنا على أمل أن تواتيها قريباً الرياح المشتهاة وتبحر بنا إلى مرافئنا المأمولة والموعودة.

لقد سخر المؤرخ هيرودوتوس من أجدادنا الليبيين الذين خرجوا لمحاربة «ريح القبلي»، وهو معذور في ذلك؛ لأنه، في رأيي، لم يدرك أن تلك المعركة لم تكن بحثاً عن نصر عسكري كما يبدو من الظاهر، بل كانت إعلاناً عن رفض الانكسار. واليوم، ونحن نواجه رياحاً عاتية لا تختلف عن «القبلي» من الأزمات والحروب، ندرك أن قدرنا هو هذا «العناد الصعيب».

نعم، سنمضي نحو العام الجديد مثقلين بالخيبات وبالخوف ولكن يسكننا الأمل. سنمضي لأن التوقف يعني الاستسلام والهزيمة، ولإيماننا بأن رحمة الله بمقدورها التدخل في أي لحظة لإنقاذنا من أي سقوط محتمل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة



GMT 07:19 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

علماء وليسوا جنوداً

GMT 08:48 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 08:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 08:23 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 08:20 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

عبقرية الحسابات العمياء

GMT 08:19 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

استدعاء باكستان

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم
  مصر اليوم - شريف منير يتحدث عن صعوبات تجسيد شخصية محمود عزت

GMT 07:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
  مصر اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:40 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 15:16 2025 الأربعاء ,14 أيار / مايو

"أرامكو" تعتزم استثمار 3.4 مليار دولار في أمريكا

GMT 01:56 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

كأس المدربين وليس كأس الأبطال..

GMT 07:09 2019 الخميس ,24 كانون الثاني / يناير

العثور على كنز أثري يعود إلى فترة الهكسوس في كوم الخلجان

GMT 09:27 2017 الثلاثاء ,05 كانون الأول / ديسمبر

طوارئ في مطار القاهرة لمواجهة الشبورة المائية

GMT 21:09 2018 الأحد ,23 أيلول / سبتمبر

تاتو "دينا الشربيني" يُثير أعجاب عمرو دياب

GMT 02:42 2017 الجمعة ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

حجي يُؤكّد سعادته بالإشراف على قرعة "شان 2018"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt