توقيت القاهرة المحلي 04:18:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نحو عام جديد... نرفعُ الأشرعة

  مصر اليوم -

نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة

بقلم:جمعة بوكليب

بمرور الوقت، تعوّدنا نحن البشر لدى نهاية عام وبدء آخر، على ألا تأتي الرياح بما تشتهي قلوبنا من أمنيات. لا أحد يلوم الرياح على خذلانها لنا، أو يجبرها قسراً على تغيير اتجاهها بما يتفق واتجاه مراكب أمانينا.

وإذا صدّقنا المؤرخ اليوناني هيرودوتوس، فإنَّ الليبيين من دون شعوب الأرض قاطبة، هم من تجرأ على محاربة الرياح، بأن اختاروا التصدي لـ«ريح القبلي» في سابقة تاريخية أولى وأخيرة؛ إذ يقول هيرودوتوس إن قبيلة قديمة ليبية ضاقت ذرعاً بما تفعله تلك الرياح المسمومة بالزرع والضرع، وقرروا التصدي لها بأن ارتدوا لباسَ الحرب وخرجوا لملاقاتها، فلم يعد منهم أحد.

الليبيون يصفون أنفسهم بأنَّهم «شعب صعب عناده». والوصف، رغم نبرة السُّخرية الصريحة فيه، لا يخلو من حقيقة. وعنادهم ليس في حاجة حتى إلى مؤرخ في شهرة هيرودوتوس لتأصيله، وهو الذي قال: «من ليبيا يأتي الجديد».

ها نحن، مرة أخرى، نقف على مسافة أيام قليلة من نهاية عام وبدء آخر. وها نحن، ككل مرة، نستعد لمصافحة أحبابنا وتهنئتهم بالقادم الجديد متمنين لهم تحقيق الأماني والرغبات والأحلام. بعضنا قرر الكفَّ عن تكرار ممارسة هذه اللعبة بدافع الملل؛ إذ ما الجدوى من أن تتمنى أمنية صغيرة على مدار السنين ولا تراها تتحقق؟ هؤلاء يصنّفون عادة تحت خانة المتشائمين، وليس بمستطاع أحد لومهم. وفي المابين يوجد «المتشائلون»، أو بالأحرى الحذرون، الذين يفضلون ألا يضعوا كل بيضهم في سلة واحدة.

رحمةُ الله لا تنقطع من الأرض والطمعُ فيها لا يتوقف. والأملُ كذلك بذر بذوره في القلب الإنساني منذ قديم الزمن وما يزال يزهر في أغلب القلوب. والأعوام لامبالية، كما عرفناها، تواصل سيرها غير ملتفتة لما نشتهيه أو نخافه. والحلم بغد أفضل وبحياة إنسانية تسودها المحبة والإخاء لن يطفأ؛ إذ لو حدث ذلك لفقدت الحياة الإنسانية معناها.

وعن العام الجديد 2026، لا نتوقع - حسب المعطيات الموجودة - أن يكون أفضل من سابقه أو متميّزاً عنه. بمعنى أننا خلاله قد لا نشهد نهاية مأمولة للحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو بين الأخوة الأعداء في السودان، ولا نطمع أن تغيّر قوات الاحتلال الإسرائيلي من مسلكها ضد سكان قطاع غزة، أو يتوقف المستوطنون الصهاينة عن التوسع في الضفة الغربية، أو تعترف حكومة الائتلاف اليميني بحق الفلسطينيين في العيش في دولة مستقلة. ومن المحتمل أن نشهد الأميركيين يخوضون بقواتهم في أوحال مستنقعات حرب أخرى، هذه المرّة في حديقتهم الخلفية في فنزويلا. فهم قد بدأوا التحضيرات لها منذ وقت. وسوءُ الأحوال في القارة الأفريقية وحروبها التي لا تنتهي ستتواصل، وبالتالي يتواصل مسلسل الهجرة غير القانونية. أما في بلدي ليبيا، لن تحدث معجزة فجأة وتتفق الأطراف على إجراء انتخابات نيابية ورئاسية تخرجنا من النفق المعتم الذي انزلقنا فيه منذ سنوات.

ربما لتلك الأسباب المُحزنة نستقبل العام الجديد بقلوب متعبة، لكنها في الوقت ذاته قلوب مؤمنة. هذا الإيمان ليس مبنياً على أوهام وأضغاث أحلام، بل على نظرة استشرافية للتاريخ الإنساني في مسيرته الطويلة. وهذا، على وجه التحديد، ما يجعلنا نرفع أشرعة مراكبنا على أمل أن تواتيها قريباً الرياح المشتهاة وتبحر بنا إلى مرافئنا المأمولة والموعودة.

لقد سخر المؤرخ هيرودوتوس من أجدادنا الليبيين الذين خرجوا لمحاربة «ريح القبلي»، وهو معذور في ذلك؛ لأنه، في رأيي، لم يدرك أن تلك المعركة لم تكن بحثاً عن نصر عسكري كما يبدو من الظاهر، بل كانت إعلاناً عن رفض الانكسار. واليوم، ونحن نواجه رياحاً عاتية لا تختلف عن «القبلي» من الأزمات والحروب، ندرك أن قدرنا هو هذا «العناد الصعيب».

نعم، سنمضي نحو العام الجديد مثقلين بالخيبات وبالخوف ولكن يسكننا الأمل. سنمضي لأن التوقف يعني الاستسلام والهزيمة، ولإيماننا بأن رحمة الله بمقدورها التدخل في أي لحظة لإنقاذنا من أي سقوط محتمل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة نحو عام جديد نرفعُ الأشرعة



GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

GMT 02:50 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

زيارة قصيرة للساحل!

GMT 02:48 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إلى أين نذهب؟

GMT 02:47 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفتقد هؤلاء

GMT 02:45 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

صراع فى الفضاء!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt