توقيت القاهرة المحلي 13:36:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

  مصر اليوم -

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة

بقلم:جمعة بوكليب

في عالمِ السياسة، كمَا في علم الفيزياء، لا يمكن غضُّ النَّظر عن قانون «الفعل ورد الفعل»؛ فلكل تحرّك دولي أثرٌ ارتداديٌّ يساويه في القوة ويعاكسُه في الاتجاه؛ إذ بينما كانت واشنطن الترمبيَّة تعيد رسم سياساتها الحمائية، وتخوض فجأة حروباً تجارية قائمةً على فرض الرسوم الجمركية على السّلع والبضائع المصدّرة من مختلف دول العالم، جاءَ الردّ مؤخراً من بروكسل (الاتحاد الأوروبي) ونيودلهي، متمثلاً في توقيع ما يمكن وصفه بـ«أضخم اتفاق للتجارة الحرة في العصر الحديث»، ليكونَ رسالة تذكير قوية لساكن البيت الأبيض.

«أمُّ كل الصفقات»؛ هو الوصف الذي أطلقته رئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، في خطاب ألقته بالهند مؤخراً، على الاتفاق التجاري الذي دخل مرحلة انتظار تصديق «البرلمان الأوروبي» وموافقة الحكومة الهندية بنهاية العام الحالي. يرى مراقبون غربيون أنَّ الاتفاقَ ليس مجرد أرقام جمركية، بل هو تدشينٌ لمرحلة أطلقوا عليها اسم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي عن التبعية الاقتصادية لواشنطن، عبر التوجه شرقاً نحو العملاق الهندي، بمنأى عن التورّط في شراكة تجارية مع الصين ضماناً للسلامة.

يُذكر أنَّ الهند كانت قد أزاحت مؤخراً بريطانيا عن المرتبة الخامسة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهي، استناداً إلى تقارير إعلامية، تستعد حالياً للاستحواذ على المرتبة الرابعة.

تكمن أهمية هذه الخطوة غير المسبوقة في اختراقها الجدار الحمائي الهندي الشهير. فمن المعروف أنَّ حكومات نيودلهي ظلَّت لعقود حريصة على إغلاق أسواقها أمام المنافسة الخارجية؛ لحماية صناعاتها المحلية، لكنَّها وافقت أخيراً على فتح أبوابها أمام منتجات شركات «الاتحاد الأوروبي»، التي في المقابل ضمنت سوقاً بنحو ملياري مستهلك، وبتبادل تجاري يصل إلى 180 مليار يورو سنوياً.

هذا التحوّل كان، أولاً، ردَّ فعل هندياً ضد التعريفة الجمركية الأميركية على منتجاتها، التي ارتفعت من 25 إلى 50 في المائة حين كانت الهند رافضة للتوقف عن شراء النفط الروسي بأسعار مخفّضة. وثانياً أنَّ هذا الاتفاق لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة مفاوضات ماراثونية بدأت عام 2007، وهو العام الذي بلغ «المرحلة التريليونية»، أي وصل التبادل فيه إلى تريليون دولار أميركي. لكن المفاوضات مع «بروكسل» تعثرت طويلاً بسبب خلافات بشأن قطاعي «السيارات» و«الألبان»، كما تؤكد التقارير الإعلامية، قبل أن تُستأنف بزخم غير مسبوق بالتزامن مع فرض واشنطن رسومها الجمركية الجديدة. السرعة في إبرام الاتفاق تبين مدى اقتناع «بروكسل» ونيودلهي بضرورة تقديم تنازلات في قطاعات صناعية كانت في السابق غير خاضعة للنقاش.

بحلول عام 2032، سيرسم الاتفاق واقعاً اقتصادياً جديداً قائماً على إعفاءات جمركية وضريبية متبادلة، تشمل إعفاءً ضريبياً للمنتجات الصناعية الأوروبية بنسبة 96.6 في المائة، وتوفير ما قيمته نحو 4 مليارات يورو سنوياً على الشركات الأوروبية من رسوم التعريفات. وكذلك إعفاءات ضريبية لمنتجات الحديد والصلب، والأدوية، والمنسوجات، في كلا الاتجاهين؛ مما يخلق توازناً تجارياً فريداً.

يتجاوز هذا الاتفاق لغةَ الأرقام الجافة؛ فهو يؤرخ لبداية مرحلة من تنويع التحالفات بعيداً عن الهيمنة الأميركية، وبناء قطب تجاري موازٍ قادر على الصمود في وجه التحوّلات العالمية. وكي لا يثيرا استياء وحنق واشنطن بشكل صدامي، اختار الطرفان؛ الهند و«الاتحاد الأوروبي»، تعزيز الشراكة بينهما بوصف ذلك بديلاً آمناً للتوسع التجاري مع الصين، وضماناً للتوازن والاستقرار، آخذَين في الحسبان أنه سبق للهند التوقيع على اتفاق تجاري مع بريطانيا، يتميز عن نظيره الأوروبي بالتركيز على قطاع الخدمات.

الاتفاق يعني أن «بروكسل» اضطرت إلى تبنّي نهج براغماتي في تعاملها مع الهند، بمعنى أنَّها قبلت راضية غضَّ الطرف عن شراء الهند النفط الروسي بأسعار مخفضة سابقاً؛ الأمر الذي يفضي إلى استنتاج مفاده بأنَّ «بروكسل»؛ عكس واشنطن، تريد المشاركة في النمو من دون اللجوء إلى استخدام سياستَيْ الخضوع أو الإخضاع، بعد أن ثبتَ أنَّها سياسةٌ تأتي بنتائجَ معاكسةٍ سلبية. إنَّها الواقعية في أجلَى صورها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة «بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة



GMT 07:12 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

ترامب يستعيد العراق من إيران…

GMT 07:11 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

GMT 07:10 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إيران أضعف والمطالب أشدّ

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

القاموس الجديد

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إبستين والحكومة السريّة العالمية!

GMT 07:07 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

GMT 07:05 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الدولة ونتنياهو... والفرص الضائعة

GMT 07:02 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

كرامات البدوى!

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026
  مصر اليوم - أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 01:38 2019 السبت ,12 كانون الثاني / يناير

سوكاري يُهدِّد مستقبل أزارو وأجايي مع القلعة الحمراء

GMT 06:32 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

البنك المركزي المصري يعلن مد سريان 6 قرارات لمواجهة كورونا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt