توقيت القاهرة المحلي 14:07:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

  مصر اليوم -

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة

بقلم:جمعة بوكليب

في عالمِ السياسة، كمَا في علم الفيزياء، لا يمكن غضُّ النَّظر عن قانون «الفعل ورد الفعل»؛ فلكل تحرّك دولي أثرٌ ارتداديٌّ يساويه في القوة ويعاكسُه في الاتجاه؛ إذ بينما كانت واشنطن الترمبيَّة تعيد رسم سياساتها الحمائية، وتخوض فجأة حروباً تجارية قائمةً على فرض الرسوم الجمركية على السّلع والبضائع المصدّرة من مختلف دول العالم، جاءَ الردّ مؤخراً من بروكسل (الاتحاد الأوروبي) ونيودلهي، متمثلاً في توقيع ما يمكن وصفه بـ«أضخم اتفاق للتجارة الحرة في العصر الحديث»، ليكونَ رسالة تذكير قوية لساكن البيت الأبيض.

«أمُّ كل الصفقات»؛ هو الوصف الذي أطلقته رئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، في خطاب ألقته بالهند مؤخراً، على الاتفاق التجاري الذي دخل مرحلة انتظار تصديق «البرلمان الأوروبي» وموافقة الحكومة الهندية بنهاية العام الحالي. يرى مراقبون غربيون أنَّ الاتفاقَ ليس مجرد أرقام جمركية، بل هو تدشينٌ لمرحلة أطلقوا عليها اسم «الاستقلال الاستراتيجي» الأوروبي عن التبعية الاقتصادية لواشنطن، عبر التوجه شرقاً نحو العملاق الهندي، بمنأى عن التورّط في شراكة تجارية مع الصين ضماناً للسلامة.

يُذكر أنَّ الهند كانت قد أزاحت مؤخراً بريطانيا عن المرتبة الخامسة في قائمة أكبر اقتصادات العالم، وهي، استناداً إلى تقارير إعلامية، تستعد حالياً للاستحواذ على المرتبة الرابعة.

تكمن أهمية هذه الخطوة غير المسبوقة في اختراقها الجدار الحمائي الهندي الشهير. فمن المعروف أنَّ حكومات نيودلهي ظلَّت لعقود حريصة على إغلاق أسواقها أمام المنافسة الخارجية؛ لحماية صناعاتها المحلية، لكنَّها وافقت أخيراً على فتح أبوابها أمام منتجات شركات «الاتحاد الأوروبي»، التي في المقابل ضمنت سوقاً بنحو ملياري مستهلك، وبتبادل تجاري يصل إلى 180 مليار يورو سنوياً.

هذا التحوّل كان، أولاً، ردَّ فعل هندياً ضد التعريفة الجمركية الأميركية على منتجاتها، التي ارتفعت من 25 إلى 50 في المائة حين كانت الهند رافضة للتوقف عن شراء النفط الروسي بأسعار مخفّضة. وثانياً أنَّ هذا الاتفاق لم يأتِ صدفة، بل هو ثمرة مفاوضات ماراثونية بدأت عام 2007، وهو العام الذي بلغ «المرحلة التريليونية»، أي وصل التبادل فيه إلى تريليون دولار أميركي. لكن المفاوضات مع «بروكسل» تعثرت طويلاً بسبب خلافات بشأن قطاعي «السيارات» و«الألبان»، كما تؤكد التقارير الإعلامية، قبل أن تُستأنف بزخم غير مسبوق بالتزامن مع فرض واشنطن رسومها الجمركية الجديدة. السرعة في إبرام الاتفاق تبين مدى اقتناع «بروكسل» ونيودلهي بضرورة تقديم تنازلات في قطاعات صناعية كانت في السابق غير خاضعة للنقاش.

بحلول عام 2032، سيرسم الاتفاق واقعاً اقتصادياً جديداً قائماً على إعفاءات جمركية وضريبية متبادلة، تشمل إعفاءً ضريبياً للمنتجات الصناعية الأوروبية بنسبة 96.6 في المائة، وتوفير ما قيمته نحو 4 مليارات يورو سنوياً على الشركات الأوروبية من رسوم التعريفات. وكذلك إعفاءات ضريبية لمنتجات الحديد والصلب، والأدوية، والمنسوجات، في كلا الاتجاهين؛ مما يخلق توازناً تجارياً فريداً.

يتجاوز هذا الاتفاق لغةَ الأرقام الجافة؛ فهو يؤرخ لبداية مرحلة من تنويع التحالفات بعيداً عن الهيمنة الأميركية، وبناء قطب تجاري موازٍ قادر على الصمود في وجه التحوّلات العالمية. وكي لا يثيرا استياء وحنق واشنطن بشكل صدامي، اختار الطرفان؛ الهند و«الاتحاد الأوروبي»، تعزيز الشراكة بينهما بوصف ذلك بديلاً آمناً للتوسع التجاري مع الصين، وضماناً للتوازن والاستقرار، آخذَين في الحسبان أنه سبق للهند التوقيع على اتفاق تجاري مع بريطانيا، يتميز عن نظيره الأوروبي بالتركيز على قطاع الخدمات.

الاتفاق يعني أن «بروكسل» اضطرت إلى تبنّي نهج براغماتي في تعاملها مع الهند، بمعنى أنَّها قبلت راضية غضَّ الطرف عن شراء الهند النفط الروسي بأسعار مخفضة سابقاً؛ الأمر الذي يفضي إلى استنتاج مفاده بأنَّ «بروكسل»؛ عكس واشنطن، تريد المشاركة في النمو من دون اللجوء إلى استخدام سياستَيْ الخضوع أو الإخضاع، بعد أن ثبتَ أنَّها سياسةٌ تأتي بنتائجَ معاكسةٍ سلبية. إنَّها الواقعية في أجلَى صورها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة «بروكسل» نيودلهي المحطة الجديدة



GMT 04:00 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

شاعر الرسائل... متقطع الإنتاج

GMT 03:54 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان... نقلة نوعية وجذرية

GMT 03:52 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

لبنان وألغام التفاوض

GMT 01:47 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

هل يستطيع اللبناني الجنوبي أن يتكلّم؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ليبيا... سؤالُ التوطين يثير القلق

GMT 01:40 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

من أين له هذا؟

GMT 01:37 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

بريطانيا تبحث عن مشروعها السياسي التالي

GMT 01:33 2026 الأحد ,07 حزيران / يونيو

ثلاثة خيارات أمام لبنان

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 06:48 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تركي آل الشيخ يمازح ابراهيم فايق ومهيب عبد الهادي

GMT 01:35 2024 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سنغافورة نموذج عالمي لتحقيق جودة حياة وصحة مستدامة

GMT 12:44 2020 الجمعة ,25 كانون الأول / ديسمبر

صلاح يتخذ أولى الخطوات للرحيل عن ليفربول

GMT 14:18 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 23:31 2021 الأحد ,19 أيلول / سبتمبر

نصائح الخبراء للعناية بالبشرة في المنزل

GMT 09:18 2020 السبت ,05 كانون الأول / ديسمبر

بيراميدز يخاطب نادي الزمالك لشراء نجمه

GMT 03:26 2020 الأربعاء ,14 تشرين الأول / أكتوبر

منتخب البرازيل المنتشي يتحدى طموح بيرو في تصفيات كأس العالم

GMT 16:13 2020 الخميس ,08 تشرين الأول / أكتوبر

الاتحاد الإيطالي يفرض العزل على منتخب الشباب تحت 21 عامًا

GMT 22:36 2017 الجمعة ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

أحمد كرارة يستعد للمشاركة في مسلسل "فوق السحاب"

GMT 07:50 2017 الأحد ,01 تشرين الأول / أكتوبر

بلباو تحتفي بالذكرى الـ 20 لافتتاح متحف غوغنهايم

GMT 16:05 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

تسلا تقترب من الاتفاق علي إقامة مصنع سيارات في إندونيسيا

GMT 06:30 2022 الثلاثاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

إصابة مدافع لايبزيج في الكاحل خلال عطلته في المالديف
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt