توقيت القاهرة المحلي 15:03:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

  مصر اليوم -

النبطية تراجيديا المدن العامرة

بقلم : مصطفى فحص

تشبه مدينة النبطية الواقعة جنوب لبنان، الكثير من شقيقاتها في هذا الشرق الغريب؛ تكبر بالعمر، لكنها لا تشيخ. عمرُ حجارتها أطول من أعمار بنّائيها، لا يُرهقها حصار، ولا يُتعبها انتظار. وبالرغم مما تركته الحروب على جدرانها من خدوشٍ وجراحٍ عميقة، تصرّ على البقاء، وتحتفظ بذاكرة الذين سكنوها، والذين مرّوا عليها، أو مرّوا من أجلها، أو تنازعوا عليها فدمّروها.

صباح عيد الأضحى، كانت النبطية محاصرة. أُغلقت الطرقات منها وإليها، وتُركت تواجه قدرها الأليم وحدها.

في عيد الأضحى، صارت هي الضحية، أو ضُحي بها على محراب الطموحات الكبرى. فحين تُغالي الإمبراطوريات في تنفيذ رغباتها، تتطرّف حدّ التصلّب، وتبحث عن نجاتها الفردية، فتُضحي بأتباعها قبل أعدائها.

وفي لحظةٍ تشبه ملاحم الشعوب القديمة، التي صوّرت فيها خساراتها ودوّنت مراثيها، وقفت النبطية وسط ركامها تسأل سؤالها الأخير: كم يلزم من الدم حتى يقتنع أصحاب المشاريع الكبرى أن المدن والأوطان لا تُبنى على التضحيات المستمرة، ولا على المقاومة الدائمة؟

أما عيد التحرير، فبدا أقرب إلى عودةٍ جديدة للاحتلال، بعدما انحصرت قيمة التحرير في خروج المحتل فقط، ولم يتحوّل إلى حاضنةٍ وطنية مشتركة تجمع الطوائف اللبنانية كلها حول معناه. لأنه، حين استُثمر داخلياً، صار سبباً إضافياً للانقسام والاحتكار. والمعضلة أن صانعيه، أو محتكريه، لم يتعلّموا من التجربة أن الشعوب يظلّ انتصارها منقوصاً حين لا تُسيّله في شرايين الدولة كمادةٍ أساسية للبناء.

أما حين يصبح السلاح أعلى من فكرة الدولة، فإنه يقضي على الانتصار والدولة معاً، ويستجلب الاحتلال مجدداً. وهذا ما يحصل الآن، وهنا أخفق التحرير، وحلّت التراجيديا.

في تراجيديا النبطية اليوم، ها هي ذاكرتنا تتهدّم على أبوابها قبل أن تُهدم البيوت، وتتكسّر أحلامنا على طرقاتها التي حفظت أسماءنا وخطواتنا.

هنا كنّا، وهناك تعلّمنا المعنى الأول للحياة: كيف يخرج الناس صباحاً إلى أرزاقهم، كيف يصنعون من الخبز كرامة، وكيف تتحوّل المدينة الصغيرة إلى وطنٍ كامل نحبّه ويحبّنا.

أما نحن، الذين أُجبرنا منذ قرن على الهجرة من قرانا نحو شكلٍ جديد من الحياة، فها نحن اليوم نُقتلع منها مرةً أخرى، جسداً وذاكرة...

مرثية الحجر ليست للحجر وحده؛ فالنبطية ليست حجارةً فقط، بل وجوهنا، وضحكاتنا المعلّقة على أبواب الدكاكين، وأصوات الباعة، وازدحام سوق الاثنين، ورائحة زهر ليمون أبو صفير (برتقال) الصاعدة من بساتينها، والوجوه التي كانت تطمئننا أن العالم، مهما اضطرب، ما زال يعرفنا.

في النبطية لا يسقط الحجر وحده؛ جزءٌ كبير من الذاكرة يسقط معه، جزءٌ عزيز من سيرة الجنوب اللبناني، منّا، من أرواحنا... ونحن نرى ذلك بصمت... بصمتٍ، بصمت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النبطية تراجيديا المدن العامرة النبطية تراجيديا المدن العامرة



GMT 08:40 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

ماذا يبقى لإيران بعد استهداف الجوار؟

GMT 07:34 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 05:28 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (3)

GMT 05:25 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

تعاليم بتاح حتب

GMT 05:23 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة

GMT 05:20 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

أوروبا والليفة والصابونة

GMT 05:18 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:28 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

أتلتيكو مدريد يسقط بخماسية أمام فياريال

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,26 أيار / مايو

حكم صيام يوم عرفة للحجاج وغير الحجاج

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 04:33 2018 الثلاثاء ,13 آذار/ مارس

" NT2 " يتحرى روابط على غوغل تخص ماضيه الإجرامي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt