توقيت القاهرة المحلي 06:50:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما بعد السنوار.. تساؤلات ومسارات

  مصر اليوم -

ما بعد السنوار تساؤلات ومسارات

بقلم: عبد الله السناوي

«الحرب لم تنتهِ بعد».
بدا ذلك التعبير، الذى أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتنياهو»، فى لحظة انتشاء إثر مقتل «يحيى السنوار»، رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس» وقائد عملية السابع من أكتوبر (2023) ملغمًا بمسارات متناقضة قد تذهب إليها الحوادث.
«سنواصل بكل قوة حتى إعادة الأسرى».
كان ذلك شرحًا مبتسرًا لا يكشف كامل توجهاته ولا طبيعة وسائله.
فهو يعنى - من ناحية - المضى قدمًا فى الحرب على غزة، وجبهة إسنادها فى لبنان، لأهداف لم يفصح عنها، لكنها تتجاوز مسألة الأسرى إلى إعادة ترتيب المنطقة كلها، إنه مشروع حرب إقليمية يصعب استبعادها.
وهو من ناحية أخرى، لا يغلق أبوابه أمام الدعوات المتصاعدة من واشنطن وداخل إسرائيل نفسها لعقد صفقة حان وقتها يفرج بمقتضاها عن الرهائن والأسرى الإسرائيليين.
بنص تصريحاته: «هذه بداية اليوم التالى لحماس».
أى يوم تال؟! يقينا فهو لا يقصد العودة إلى استئناف المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس» برعاية أمريكية ومصرية وقطرية عند النقطة التى توقفت عندها. إنه يطلب «النصر المطلق» للآلة العسكرية الإسرائيلية، أو الاستسلام الكامل لحركات المقاومة، وليست «حماس» وحدها.
بنفس درجة الالتباس أبلغ وزير دفاعه «يوآف جالانت» نظيره الأمريكى «لويد أوستن»: «مقتل السنوار حدث جوهرى سيغير قواعد اللعبة».
هناك فارق جوهرى بين أن تكون الضربة موجعة أو أن تكون قاتلة.
باليقين فإن آثارها السياسية والنفسية سلبية على الجمهور الفلسطينى ومقاتلى المقاومة، دون أن يعنى ذلك أى استعداد للتسليم بالشروط الإسرائيلية، أو رفع الرايات البيضاء.
ما الذى يمكن أن يتغير فى قواعد اللعبة، إذا ما كانت إبادة جماعية وتجويعا منهجيا وإذلالا متعمدا للفلسطينيين ونفيا مطلقا لحقهم فى بناء دولة مستقلة؟ هل يقصد ممارسة أقصى درجات الضغط على "حماس" بعد قتل رئيسها؟
قد تتغير وجوه القادة دون أن يطرأ أدنى تغيير على طبيعة الصراع وحتميته. القضية فى جوهرها قضية تحرر وطنى، وأى كلام آخر تحليق فى الأوهام. طالما هناك احتلال تكتسب المقاومة شرعيتها بغض النظر عمن يرفع رايتها. المقاومة فكرة والأفكار لا تموت. هذه حقيقة لا يجب نسيانها.
• • •
كان مثيرًا للالتفات فى الخطاب الأمريكى تحميل «السنوار» وحده مسئولية إفشال التوصل إلى صفقة التبادل ووقف إطلاق النار وإعفاء «نتنياهو» بالوقت نفسه من الأدوار التى لعبها علنًا ومباشرة فى إفساد أية صفقات كلما بدا أنها ممكنة!
حسب نفس الخطاب فإن مقتل «السنوار» يعنى إزاحة العقبة الرئيسية أمام «السلام». أى سلام؟! وهل بوسع الإدارة الأمريكية الحالية أن تتقدم بمبادرة جديدة لاستئناف التفاوض؟ ما الهدف بالضبط: هدنة مؤقتة لاستعادة الأسرى والرهائن.. أم وقف إطلاق نار مستدام فى غزة يعقبه بالضرورة وقف آخر فى جنوب لبنان؟ ما مغزى جولة وزير الخارجية الأمريكى «أنتونى بلينكن» إلى المنطقة الآن.. وهل تنطوى على أية جدية؟
قبل نحو أسبوعين على الانتخابات الرئاسية الأمريكية لا توجد أية فرص أمام الإدارة الحالية للحركة والتأثير فى مجريات الحوادث. كل ما تستطيعه أن تستثمر فى مقتل «السنوار» بدواعٍ انتخابية. بمنطوق التصريحات الأمريكية المتواترة فإن هناك فرصة أمام «نتنياهو» لوقف إطلاق النار فى غزة استنادا إلى الإنجازات، التى حققها.
المشكلة ليست فى توصيف الإنجازات، حجمها وطبيعتها، بل فى تعريف طبيعة الصراع واستحالة إلغاء وجود الشعب الفلسطينى فوق أراضيه، وقدر التعاطف الشعبى الدولى مع عدالة قضيته كما لم يحدث من قبل.
إننا أمام تجهيل عمدى بمسئولية «نتنياهو» وحكومته اليمينية المتطرفة عن أبشع جرائم الحرب ونزوعها لتوسيع نطاق المواجهات بذريعة نجاعة الضغط العسكرى، رغم أنها لا تستطيع كسب أى حرب دون غطاء أمريكى كامل.
المستلفت- هنا- أن النيل من «السنوار» جرى بالمصادفة دون معلومات استخباراتية عن وجوده فى المكان، ولا كانت هناك قوات خاصة شاركت فى المهمة.
• • •
توجه «نتنياهو» للتصعيد يأخذ أكثر من صيغة. الأولى، باسم «خطة الجنرالات» لتفريغ شمال غزة من سكانه كخطوة تفضى إلى إنشاء مستوطنات إسرائيلية، وربما التهجير القسرى إلى سيناء فى نهاية المطاف.
والثانية، باسم «ضرب جبهة الإسناد فى لبنان»، وفصم أى علاقة بين الجبهتين. كان اغتيال زعيم حزب الله «حسن نصر الله» ضربة قاسية، لكن الحزب استطاع بعدها التعافى وأثبت قدرته على المواجهة فى ميادين القتال وإلحاق الأذى بالقوات الإسرائيلية. الأخطر أن إسرائيل تخطط لبناء شريط حدودى داخل الأراضى اللبنانية باسم الحفاظ على أمنها دون أن تتذكر تجربتها الفاشلة السابقة فى المكان نفسه.
والثالثة، باسم تصفية الحسابات مع إيران، وسيناريو توجيه ضربة عسكرية مهندسة إليها ماثل بقوة، لكنها قد تفلت عن أى حساب إلى اندلاع نيران أكبر وأخطر فى الشرق الأوسط، وهذا ما تتحسب له الإدارة الأمريكية.
هل يعطل مقتل «السنوار» الضربة المحتملة لإيران؟ بكل وضوح: لا.. لكنها قد تخضع لتعديلات حتى لا يفسد المشهد الانتصارى لليمين الإسرائيلى المتطرف.
فى كل الحسابات المتضاربة بين مسارى التصعيد والتهدئة تتصدر صورة «السنوار» الأخيرة المخيلة العامة، لا إسرائيل بمقدورها إزاحتها ولا الفلسطينيين بوسعهم نسيانها. ناقضت صورته الأخيرة ما زعمته الدعايات الإسرائيلية طويلًا. قُتل فوق الأرض لا داخل نفق، ولا مختبئًا خلف الأسرى الإسرائيليين.
استشهد وهو يقاتل بنفسه شأن كل المقاومين الآخرين الذين ضحوا بحياتهم. استدعت صورته الأخيرة شهيدا وبجواره بندقيته الكلاشينكوف ما أنشده الشاعر العامى الراحل أحمد فؤاد نجم فى وداع الزعيم الأممى أرنستو تشى جيفارا:
«مات المناصل المثال/ يا ميت خسارة على الرجال»
«مات الجدع فوق مدفعه جوه الغابات/جسد نضاله بمصرعه ومن سكات».
قبل أن يختم نشيده الحزين، الذى لحنه وغناه «الشيخ إمام عيسى»، وألهم جيل السبعينيات ذروة حرب الاستنزاف.
«لكن أكيد ولا جدال/جيفارا مات موتة رجال».
لم يلقَ «السنوار» حتفه فى أحراش بوليفيا كـ«جيفارا» دفاعًا عن حق الشعوب فى الحرية والعدالة، فقد استشهد فى منطقة «تل السلطان» برفح دفاعًا عن حق بلاده المحتلة فى الاستقلال والكرامة.
بتعبير «السنوار» فى روايته الوحيدة «الشوك والقرنفل»، التى كتبها خلف قضبان السجون الإسرائيلية، ونشرت عام (2004):
«يا رجل، أى والله، الحياة لدقيقة بعزة وكرامة ولا ألف سنة زى الزفت تحت أحذية جنود الاحتلال».
تبدو حكمة هذه العبارة البسيطة الآن كوصية لا يمكن نقضها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد السنوار تساؤلات ومسارات ما بعد السنوار تساؤلات ومسارات



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt