توقيت القاهرة المحلي 01:26:21 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

  مصر اليوم -

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

بقلم : يوسف الديني

كشفتِ الصّيغةُ الأوليَّةُ المسرَّبَةُ للاتفاق الإيراني - الأميركي، رغم كل التفاؤل الذي يحيطها، أنَّ الحربَ المكلفةَ والقاسية على العالم من قبل الطَّرفين لم تنتهِ إلى حالة حسم سياسي واضح، بل إلى ما يمكنُ وصفه بالهدنةِ «المركّبة» الهشة. ومرجع هذا التركيب في نظري يعود إلى أنَّ كلَّ طرف يقرأ التفاصيل بشكل مختلف بعيداً عن معضلة «النصر» الخطابية، التي لا تهم الآن كما هو الحال مع النقاش والجدل حول دوافع الحرب ومبتدئها، فاليوم هو يوم التفاصيل وحالة المابعد التي يجب أن تساهمَ فيها دولُ المنطقة، خصوصاً التي تعرضت للاعتداء الإيراني، وتصدت له بعقلانيتها وعدم التصعيد.

الولايات المتحدة تصف الاتفاقَ بالصفقة الرابحة لحملة عسكرية أنهكت إيران، وفرضت عليها العودة إلى التعهد بعدم امتلاك سلاح نووي، وفتحت الطريقَ أمام إعادة فتح مضيق هرمز، بينما تنظر طهرانُ إليه، وفق الرواية التي نشرتها وكالتا «مهر» و«تسنيم»، على أنَّه انتصارٌ تاريخي لأنَّه اعترافٌ ببقاء النظام ثم الالتزام برفع تدريجي للعقوبات، واستعادة الأصول المجمدة.

وإلى أن تتَّضح الصورة نحن الآن أمام اتفاقين متباينين تراه واشنطن ضبطاً لسلوك إيران وتراه طهران تثبيتاً لوضع جديد في المنطقة ولمكاسب ما بعد الحرب، وهو الأمر الذي أيضاً فهمه حتى الإيرانيون الأميركيون ممن كانوا معارضين للنظام، لكن الحرب صنعت منهم قوميين ضد الحرب، وعلى رأسهم ولي نصر في مقالة مطوّلة حول استراتيجية إيران الكبرى الجديدة.

هذا التباين ليس أمراً عابراً، فمذكرة التفاهم المكونة، بحسب الرواية الإيرانية، من 14 بنداً، لا تتحدث فقط عن وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، بل تشير أيضاً إلى الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة خلال فترة تفاوض لستين يوماً، مع إتاحة نصفِ هذه الأموال حتى قبل بدء المحادثات. كما تتضمَّن، بحسب التسريبات الإيرانية، تعليق العقوبات على مبيعات النفط، وخطة إعادة إعمار بحدود 300 مليار دولار، والتزاماً أميركياً بعدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية، وهذه تفاصيل لا يمكن أن تكون مجرد هوامش في متن التموضع الإيراني ما بعد الحرب.

من جهتها تركز واشنطن، على الأقل في الخطاب السياسي بعيداً عن «شعبوية الانتصار»، على عدم امتلاك إيران لسلاح نووي والالتزامات بالتفاوض على مصير المواد النووية المخصبة، وهو الأمر الذي لا تتحدث عنه إيران إلا بعد تنفيذ كل الالتزامات وعلى رأسها رفع الحصار البحري.

هل فترة الستين يوماً كافية لحسم كل هذه الأسئلة وإنتاج اتفاق ناضج وفعال يراعي الصورة الكلية للمنطقة وملفاتها المتداخلة والمتشابكة؟ ربما هي بداية، لكن الأكيد أنَّ ملفات ما بعد الاتفاق ستكون معقدة وثمة أسئلة حاسمة يجب أن تناقش بوضوح عن المخزون وحدود التخصيب ودور وكالة الطاقة الذرية، وكيف سيتم ربط العقوبات بالامتثال، وما هي ضمانات جميع الأطراف، والأهم الضمانات لدول المنطقة حفظاً للاستقرار والأمن.

معضلة الاتفاق، رغم التفاؤل الحذر من جميع الدول، أن يتحول إلى ورقة ضغط لقبول اتفاق هش لأسباب ظرفية مؤقتة، تتصل بأسعار النفط والحاجة إلى إعلان انتصار سريع لأسباب سياسية داخلية، صحيح أنَّ استقرار الأسواق مهم لكنَّه ليس سبباً كافياً مع الحسابات الانتخابية لأن يتحول إلى إطار يقرر مصيرَ منطقة بأكملها لعقود مقبلة.

مضيق هرمز هو بوابة أي حل مستدام، فهو أهم ممرات الطاقة والاقتصاد العالمي، والعقلانية التي تعاملت بها الدول الخليجية وفي مقدمتها السعودية مع الأزمة، تنطلق من حرصها على ضبط التصعيد، وحماية الممرات والتوازنات السياسية الصعبة، وهذه العقلانية هي التي ساهمت في تسهيل وخلق هذه الهدنة، ويجب أن تكون الدول المعنية بأي اتفاق من شأنه تقرير مصير العقود القادمة.

إسرائيل الحلقة الأضعف، لذلك تحرص على خرق الاتفاق، ومع ما يقال من أنَّ الحرب وسَّعت الفجوة بين ترمب ونتنياهو، وأنَّ ثمة مراجعاتٍ كبرى حيال التحالف الأميركي - الإسرائيلي، كما كتب المحلل جوشوا ليفر يوم أمس في «فورن بوليسي»، وهو مؤلف الكتاب المهم «الألواح المحطمة... نهاية قرن يهودي أميركي ومستقبل الحياة اليهودية». لكن كل هذا هو أقربُ إلى مربع الضغط السياسي، منه إلى تحول استراتيجي عميق.

الخلاصة: لم يعدِ السؤالُ اليومَ عن دافع الحرب وأخطائها، رغم غرابتها في كل شيء، بل هو سؤال اليوم التالي وتحديداً: هل يمنح الاتفاق هذه المنطقةَ الملتهبة والعالمَ المنهك من جرائها، فرصةً للتعايش والسلام والتنمية والخروج من حافة اللايقين الذي ظلَّت عليه منذ عقود؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt