توقيت القاهرة المحلي 08:35:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

علم الوراثة البرجوازي ونظرية التطور البلشفية!

  مصر اليوم -

علم الوراثة البرجوازي ونظرية التطور البلشفية

بقلم:خالد منتصر

العصافير لا تغرد فى الكهوف المغلقة، كذلك العلم لا ينمو ولا يتقدم إلا فى المجتمعات المتحررة، عندما يصبح العلم فى خدمة الأيديولوجيا المنغلقة أو الدوجما المتصلبة يموت، بل يصبح خطراً داهماً، لم يفعلها الفكر الدينى الأصولى المتعصب فقط واغتال العلم وأجهضه، بل فعل ذلك الفكر الشيوعى الستالينى عندما أخضع علم الوراثة للأيديولوجية، وكانت الكارثة التى كادت تطيح بالاتحاد السوفيتى، إنها كارثة ليسنكو، لكن ما قصة تلك الكارثة؟، ومن هو ليسنكو؟، تروفيم دينيسوفيتش ليسنكو (١٨٩٨–١٩٧٦)، عالم زراعة سوفيتى، ولد فى قرية كارلوفكا (فى أوكرانيا الحالية)، درس فى معهد الزراعة فى كييف، حيث حصل على درجة متواضعة فى الزراعة، لم يتلقَّ تدريبًا أكاديميًا رسميًا فى علم الوراثة، ما جعله يعتمد على أفكار بدائية وغير علمية فى هذا المجال، لم يعترف بعلم الوراثة لمندل ولا بنظرية التطور لداروين، رفضهما نهائياً، فى الثلاثينيات، لفت انتباه جوزيف ستالين، الذى أعجب بوعوده بزيادة الإنتاج الزراعى، أصبح رئيسًا للأكاديمية الزراعية السوفيتية، واحتكر تخطيط السياسات الزراعية، أطلق حملة شعواء ضد علماء الوراثة الذين يتبنون آراء مندل، زاعمًا أن نظرياتهم «برجوازية» ومعادية للماركسية!، وادّعى أن الكائنات الحية يمكن أن تُعدل صفاتها الوراثية بتأثير البيئة فقط، دون الاعتماد على الوراثة الجينية، ادّعى أن النباتات يمكن أن تتعلم التكيف مع ظروف قاسية من خلال تقنيات مثل تعريضها للبرودة (التطوير الشتوى)، زاعمًا أنها ستورث هذه التعديلات إلى الأجيال القادمة، يعنى لو أخذنا بذور القمح وزرعناها فى أرض باردة، فإنها «تتعلم» التحمل، وإذا زرعنا بذورها فى المستقبل، ستكون النباتات الجديدة أقوى فى البرد، رفض قوانين «مندل» فى الوراثة التى تقول إن الصفات تنتقل من الآباء للأبناء عبر وحدات ثابتة عُرفت بأنها الجينات فيما بعد، وللتبسيط ففى علم الوراثة الحقيقى المتهم بالبرجوازية المتعفنة، لو أن لون الزهرة سببه جين معين، فإن تغييره يتطلب طفرة جينية، أما ليسنكو فكان يظن أنه يمكن تغيير اللون فقط بتغيير التربة أو المناخ، وطبق نظرية تحالف العمال وتكاتفهم ضد الرأسمالية فى الزراعة والوراثة، فقال إن النباتات من نفس النوع تحب بعضها البعض، فاقترح زراعتها بشكل كثيف جداً، متجاهلاً أن النباتات تتنافس على الماء والضوء.

لم يقف ليسنكو عند ذلك، لكنه أقنع ستالين بقمع علماء الوراثة، فقاد حملة قمع واسعة ضد علماء الوراثة الحقيقيين، واعتقل كثيرا منهم وأعدم معظمهم، ومنهم العالم العظيم نيكولاى فافيلوف، أحد أهم علماء النبات فى القرن العشرين، مما أدى إلى توقف تقدم البحث العلمى فى علم الوراثة فى الاتحاد السوفيتى لعقود طويلة، ماذا كانت نتيجة إخضاع العلم للأيديولوجيا الشيوعية والديكتاتورية الستالينية؟، أدى ذلك إلى تراجع حاد فى الإنتاج الزراعى وفشل المحاصيل الأساسية كالقمح والذرة، حدثت مجاعة أوكرانيا الكبرى – الهولودومور (١٩٣٢–١٩٣٣)، والتى راح ضحيتها من ٤ إلى ٧ ملايين شخص، انهار الريف واختفى الملايين من السكان من القرى، فشلت الزراعة وتراجع الإنتاج لسنوات طويلة، انتشر الخوف، توقف الناس عن التفكير أو النقد خوفًا من القمع، حدثت مجاعات أخرى فى كازاخستان وجنوب روسيا وسيبيريا، بل سجلت حالات كثيرة لأكل لحوم بشر من فرط الجوع، لم يكن مجرد خطأ علمى، بل كانت جريمة إبادة بالتجويع، مات ملايين الأبرياء نتيجة إخضاع العلم ولى ذراعه لكى يتناسب مع الأيديولوجيا، هذه المأساة كانت نتيجة أن فرداً بالتحالف مع ديكتاتور قررا إلغاء الوراثة المندلية وعلم التطور ودور الجينات والطفرات باعتبارها «علما برجوازيا متخلفا متعفنا... إلخ»، وأعلن أفكاره التى عرفت باسم «الليسنكووية» كعلم رسمى وحيد معترف به!، لن ينجح العلم فى مجتمع القمع والإجابات الجاهزة والقوالب المصمتة. لن ينجح العلم إلا بتمرد السؤال، وتحليق الشك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

علم الوراثة البرجوازي ونظرية التطور البلشفية علم الوراثة البرجوازي ونظرية التطور البلشفية



GMT 07:30 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

بقلم صاحب التوقيع

GMT 07:28 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الشوالي يحدثنا عن إنجاز عربي مونديالي

GMT 07:27 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

رجوع لبنانَ إلى أهله

GMT 07:25 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

زمن التلاعب بالاستقلال

GMT 07:22 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

إنه «اتفاق إطار»... لبدء مفاوضات شاقة

GMT 07:20 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

المونديال... أميركا من الهامش إلى الواجهة

GMT 07:18 2026 الثلاثاء ,30 حزيران / يونيو

الجغرافيا الاقتصادية... ساحة الصراع الكبرى

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول

GMT 12:02 2018 الثلاثاء ,25 أيلول / سبتمبر

صامويل إيتو يؤكد أن ليونيل ميسي الأفضل في العالم

GMT 21:27 2019 الإثنين ,28 كانون الثاني / يناير

رواية "الجنية" لمازن فاروق بدر في طبعتها الثانية قريبًا

GMT 15:19 2024 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

بايرن ميونيخ يقرر تمديد عقد مدافعه أوباميكانو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt