توقيت القاهرة المحلي 21:51:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رجوع لبنانَ إلى أهله

  مصر اليوم -

رجوع لبنانَ إلى أهله

بقلم : يوسف الديني

بلغت الحالة اللبنانية مستوى من الخطورة يتجاوز مسألة الدولة داخل الدولة، وسلاح «حزب الله»، وخطابه المضاد لمنطق الدولة؛ إلى شرعنة تأرجحه بين أن يكون ملفاً تابعاً لإيران، أو ذراعاً مصطنعة تتحول إلى جزء عضوي من الجسد السياسي الإيراني، وبين الصمت على الاستباحة الإسرائيلية لحدوده الجنوبية، وكأنَّها مساحة مفتوحة للردع والاستهداف بحجة أمن إسرائيل.

رغم كارثية الواقع اللبناني، فإنَّ الخطرَ الأعمقَ ليس في تردي الأمن والاقتصاد فقط؛ بل في محاولة التعايش مع العطب الذي أصابه منذ عقود، من خلال التعامل مع «حزب الله» كتابع لإيران، أو كممثل للبنان قابل للاستهداف، وتحويل هذا العطب إلى «حقيقة» لا بدَّ من إدارتها، بينما يراد أن تموت الفكرة الأبسط: لبنان دولة ذات سيادة، لا ساحة تجريبية لمشاريع الأغيار.

قصَّة التسوية مع إيران، التي يراد إقحام لبنانَ فيها عبر اختزاله في «حزب الله»، لا ينبغي أن تضيع في زحام الاستحقاقات الضيقة. فيجب عدم قراءة أي تفاهم أميركي- إيراني جديد من نافذة الملف النووي وحده، ولا من خلال العقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز. الأخطر أن يتحوَّل الاتفاقُ إلى اعتراف غير مباشر بحق إيرانَ في امتلاك امتدادات ميليشياوية داخل دول عربية ذات سيادة، بحجة توحيد الساحات، بينما كشفت الأزمة الإيرانية أنَّ الشرق الأوسط ساحة واحدة لا تنفصل معضلاتها عن فوضى التدخل السيادي، وعن الصلف الإسرائيلي أيضاً.

تضمين لبنانَ في أي اتفاق من زاوية «حزب الله» خطر على المنطقة، ولا يمكن شرعنته مهما بلغت الرغبة في الهروب منها. لأنَّ معنى ذلك تحويلُ بيروتَ -وربما عواصم أخرى لاحقاً- إلى ملفاتٍ إيرانية، وهو ما يعني أنَّ الدولَ ذات السيادة لا تعود صاحبة القرار الأول في ضبط السِّلاح واحتكار العنف، وهما من أهم أركان مفهوم الدولة الحديثة، وهذا الاستسهال التفاوضي مقلقٌ؛ ليس كسلوكٍ؛ بل حتى كلغة سياسية حين يُطلب من إيرانَ تقديم ضمانات حول سلوك «حزب الله» بدل إنهاء تبعيته.

لم تكن محاولاتُ إيرانَ وإسرائيلَ تحويل لبنانَ إلى ساحة حرب بالوكالة ممكنة، لولا الهشاشة اللبنانية، وهي هشاشة لم تبدأ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)؛ بل تعود إلى اتفاق القاهرة عام 1969، مع تبرير انتهاكِ «منظمة التحرير الفلسطينية» للسيادة، وفتح أبواب فوضى السِّلاح الخارج عن الدولة. وحين اجتاحت إسرائيلُ لبنان عام 1982 لإخراج «منظمة التحرير»، كانَ ذلك إيذاناً بولادة مشوهة لذراع إيرانية أكثر تعقيداً وتوغلاً في الداخل.

ومنذ اجتياح 1982، ثم حرب 2006، وصولاً إلى التصعيد بعد السابع من أكتوبر، أثبتت النظرة الحربية ومحاولة محو هذه الكيانات خارج السياسة أنَّها غير واقعية. صحيح أنَّ إسرائيل تستطيع الحد من ترسانة «حزب الله»، وتصفية قادته، وضرب بناه العسكرية، ولكنها لا تستطيع خارج أقواس السياسة والتفاوض استعادة لبنان أو بناء الدولة. بل إنَّ الإفراط في الاستهداف العبثي يمنح سردية الحزب قُبلة حياة، ويعيد التحشيد إلى أجيال في الجنوب لم تعد تتذكر طعم الاطمئنان.

المفارقة أنَّ التحدثَ عن الأذرع كجزء من الجسد الإيراني هو تحول غير منطقي بعد الفشل الوظيفي لهذه الكيانات. فقد راهنت طهرانُ طويلاً على أن «حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثيين و«حماس» خطوط دفاعها المتقدمة، ولكن الحروب الأخيرة أثبتت أن تلك الأذرع لم تعد قادرة على إنتاج الرَّدع كما تخيلته طهران. «حماس» خرجت منهكة، و«الحزب» تلقَّى ضرباتٍ موجعة طالت أهم قياديه، وبقية الأذرع راوحت عند هامش وحدود الرغبة في البقاء، وبقي الضرر الحقيقي الذي تتجرعه الدول إلى اليوم، وهو أنَّ تلك الكيانات استبدلت بوظيفة الردع تأزيم الداخل وتعطيل الدولة، وهذا ما يفسر قدرة «الحزب» على الوقف كحجر عثرة طوال هذه السنوات أمام مشروع استعادة الدولة اللبنانية.

الواقعية التي يتم التذرع بها بلُغة سياسية هي رهن للبنان بكل تنوعه ومقدراته لأن يكون أسيراً بين الاستتباع الإيراني والصلف الإسرائيلي، وأي تفاوض على بقاء هذه الحالة خطير وله تبعاته على المنطقة. صحيح جداً أنَّ نزع سلاح «الحزب» وإدارته سياسياً ملف شاق جداً، ولكن صعوبتَه لا تبرر الاستسلام له، ولا الانشغال بأعراض الداء العضال بحجة أنَّه لا شفاء منه.

لا تكفي مطالبة إيران وإسرائيل بالخروج من لبنان أو احترام سيادته. الأهم أنْ يخرج لبنانُ من مخيال طهرانَ كساحة نفوذ، ومن مخيال إسرائيلَ كمنطقة عازلة قابلة للانفجار، ومن تدخلات القوى الدولية التي تحاول استغلالَه كورقة في صفقة أكبر.

بعد الاتفاق الهش لم تعدِ الحرب ومآسيها أخطر تحديات اليوم التالي. الأخطر أن يُطَبِّع العالم مع هذه التشوهات السياسية التي تنتهك سيادة الدول، وتقامر بمصائر العباد والبلاد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رجوع لبنانَ إلى أهله رجوع لبنانَ إلى أهله



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt