توقيت القاهرة المحلي 06:50:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السياسي والمناضل وثقافة الدولة

  مصر اليوم -

السياسي والمناضل وثقافة الدولة

بقلم: رضوان السيد

مع تصاعد حدة الاشتباك في لبنان على سلاح «حزب الله»، لفتت الانتباهَ كثرةُ ترداد تعابير «النضال» و«المناضل» و«المبدئي». ونحن معتادون هذه التعابير منذ عقودٍ وعقود على ألسنة القوميين والاشتراكيين والحكام العسكريين وقادة التنظيمات المسلَّحة، ثم اعتنق التعبير بها الإسلامويون عندما يريدون تجنب المفردات التي صارت مثيرة مثل «الجهاد» و«المجاهدين». وفي الأزمنة الماضية كان المعني بهذه التعابير أن صاحب اللقب مارَس ويمارس العمل الوطني أو القومي أو الإسلامي بأساليب غير سياسية، كالعمل الحزبي أو العسكري أو الثوري أو الانقلابي، نأياً بنفسه عن العمل السياسي الذي كان يعني في أذهان النُخَب المتعلمة المساومات والتنازلات والفساد. فـ«سياسي تقليدي» يعني في الغالب في الأذهان المساوِمَ على المبادئ وغير الملتزم بنهجٍ مستقيمٍ في العمل لمصالح الشعب!

منذ 30 عاماً، وربما أكثر، سألت أحد السياسيين الذين برزوا أخيراً: لماذا هذا الهجوم غير المسوَّغ على قريبك السياسي الكبير الذي يحبه معظم المسلمين في لبنان؟ فضحك وقال: «لأنه سياسي محترف ويعيش من العمل السياسي ويتكسب منه (!)». فعلّق زميلٌ لنا كان جالساً معنا: «أسوأ الأمور أن تصبح السياسة مهنةً أو حرفة يكسب منها الإنسان رزقه». فقلت متردداً: «العمل السياسي المحترف في إدارة الشأن العام هو الذي ينتج وقد يصنع نجاحاً». وتابعت في حجاجية قد أعود إليها في ما بعد.

اللافت للانتباه أنّ محترفي السياسة في لبنان اليوم هم الذين يريدون تقليد الحزبيين والعقائديين. لقد ذكر ذلك عددٌ منهم في مقابلاتٍ وأحاديث، فهم يأبون أن يتفرد العقائديون الحزبيون بالنضال، بينما يظل الذين لا يحملون سلاحاً ولا يمارسون الصراخ الثوري سياسيين تقليديين خانعين منهمكين في المساومات والتنازلات!

نعم أذكر أنني قرأت في كتابٍ عن الحياة السياسية في الولايات المتحدة أن أقلّ الفئات شعبيةً هم «السياسيون والمحامون»، والاقتران بينهما في الذكر له دلالاته البعيدة.

اللبنانيون شديدو الفخار بأن بلدهم بلد حريات وعمل سياسي سلمي وفيه انتخابات منتظمة، لكنهم يخجلون من سياسييهم بسبب سمعة البعض السيئة. وهم في الوقت ذاته لا يحبون الميليشيات المسلَّحة التي عانوا منها الأمرَّين ولا يزالون يعانون. بينما يزعم المسلَّحون أنهم هم المناضلون وأصحاب المبادئ، والذين ضحوا في مواجهة إسرائيل. فالجديد في تطورات هذه النقائض الاصطلاحية والعملية أنّ «ثقافة» النضال والثوران لا تزال غرّارة إلى درجة أنّ أبناء العائلات السياسية العريقة اندفعوا في الإنكار على العقائدية التي يعدّونها زائفة، وساروا يؤثرون أن يطلقوا على أنفسهم لقب المناضل، بل قال أحدهم: أنا أريد أن أكون مناضلاً لا سياسياً (!) فالسياسة تقتضي الاحتراف، وهو أمرٌ غير مستحب؛ وهذه مسألة ثقافية أيضاً، فالمناضل محترف أيضاً ويمارس النضال ويرتزق منه، والفرق أنه نضالٌ ضد الدولة؛ فكرةً ومؤسساتٍ وعملاً سياسياً دؤوباً. وإنما عنيت أنّ هذه المسألة صارت في تاريخنا الحديث اللبناني والعربي «ثقافة»؛ بسبب قصر وسطحية تقاليد الدولة الحديثة. وأعرف هذا الإباء على العمل السياسي المحترف من جانب اثنين من رؤساء الحكومة في لبنان كانا ناجحين، وما كانا يسميان نفسيهما مناضلَين، بل يعدّان أنهما يؤديان عملاً وطنياً مؤقتاً وغير محترف، مع أنهما توليا الوزارة ورئاسة الحكومة مرات عدة! فصحيح أن البعض صار يأبى ألقاب النضال، لكنّ الأكثرين لا يحبون الاحتراف السياسي بسبب سمعته، رغم أنهم بالفعل كذلك.

كل عمل سياسي هو عمل من أجل الدولة. ونعرف أعمالاً قديمة جداً في «نصائح الملوك» أو «مرايا الأمراء»... بيد أن أول الأعمال المعروفة في سياسات الدولة هو محاورة أفلاطون السياسي أو رجل الدولة. والأدبيات السياسية لهذه الناحية كثيرة جداً، خصوصاً في القرن العشرين. وقد كان السوسيولوجي الألماني المعروف، ماكس فيبر (1864 - 1920)، يحسد الإنجليز والأميركيين على حياتهم الحزبية الديمقراطية بينما الحياة السياسية الألمانية لا تزال بيروقراطية. لكنه هو من جهةٍ ثانية كان يريد من السياسي المحترف أن تكون عنده أخلاق رسالةٍ، أو اعتقاد لمصلحة الدولة، فإذا توفرت، فيكون عليه أن يبحث عن طرائق ملائمة لإحقاق قناعاته يسميها فيبر: «أخلاق العمل».

من الطبيعي أن يُسميَ حاملُ السلاح ضد الدولة نفسَه مناضلاً، أما العاملون في الشأن السياسي فلا يحتاجون إلى سمعة النضال لكي يكونوا وطنيين أو أصحاب مبادئ. والأشهر المقبلة في سوريا ولبنان والعراق ستميّز بين من يظل مناضلاً ومن يصبح رجل دولة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السياسي والمناضل وثقافة الدولة السياسي والمناضل وثقافة الدولة



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:12 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt