توقيت القاهرة المحلي 21:09:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وطنيَّة «حزب الله» بوصفها بالضبط عكس الوطنيَّة

  مصر اليوم -

وطنيَّة «حزب الله» بوصفها بالضبط عكس الوطنيَّة

بقلم :حازم صاغية

طوّر عالِم السياسة الهولنديّ - الأميركيّ أرِند ليبهارت ما سمَّاه «الديمقراطيّة التوافقيّة» والتي بموجبها يتقاسم السلطةَ في البلدان المنقسمة قادةُ جماعاتها الاجتماعيّة الكبرى، فلا تتحكّم أيّ من تلك الجماعات بسواها. هكذا قدّم البعض «الديمقراطيّة التوافقيّة» بوصفها نظريّةً للمجتمعات التي ينجم استقرارها عن التعاون بين نُخب جماعاتها، ولا يتأتّى عن حكم الأكثريّة. أمّا العناصر التي يُعرّف بها المفهوم فهي إنشاء ائتلافات عريضة بين قيادات الجماعات، واحتفاظ كلّ واحدة منها بحقّ الفيتو على قرارات تراها مُهدّدةً لمصالحها، وتوزيع المواقع والموارد بينها بشكل متناسب، وأخيراً تمتّع كلّ جماعة بلون من الاستقلال القطاعيّ أو الحكم الذاتيّ.

وكانت هولندا موديل ليبهارت الأصليّ. فهي مجتمع ينقسم إلى «أعمدة»: كاثوليكيّ وبروتستانتيّ واشتراكيّ وليبراليّ، ولكلّ «عمود» مدارسه وإعلامه ومنظّماته المنفصلة، غير أنّ نُخب الجماعات تتفرّد، في أعلى القمّة، بالتعاون في ما بينها. وكان لبنان من حالات التوافق الرئيسة في نظر ليبهارت إلى جانب بلجيكا وسويسرا، وطبعاً هولندا، وهذا فضلاً عن حالات غير مكتملة كماليزيا وقبرص وكندا. أمّا لاحقاً فضمّ باحثون آخرون إلى هذه القائمة كلّاً من البوسنة والعراق بعد 2003 وجنوب أفريقيا في طورها الانتقاليّ.

هذه النظريّة لقيت وتلقى انتقادات عدّة، لكنّ أكثر ما يُستبقى منها هو المبدأ، أي التمييز بين نماذج ذات إجماعات قليلة وثقافات فرعيّة كثيرة بما يُملي عليها صيغة «توافقيّة» ما، ونماذج تحظى بإجماعات أكثر وثقافات فرعيّة أقلّ، ما يسهّل تسييرها الديمقراطيّ عبر حكم الأكثريّة. والحال أنّ لبنان ليس البلد الوحيد في منطقتنا الذي يندرج في الخانة الأولى، وإن كان أشدّها نتوءاً.

في المقابل، ما لا شكّ فيه أنّ أحد أكثر ما يعطّل التوافقَ اندفاعُ إحدى جماعات البلد المنقسم إلى خوض حرب خارجيّة لا تقرّها، لهذا السبب أو ذاك، الجماعات الأخرى. وقد كان من الأسباب الضمنيّة لإعلان حياد سويسرا، في مؤتمر فيينا عام 1815، والذي صاغ أوروبا بعد الحروب النابوليونيّة، أنّ البلد المذكور ينطوي على قوميّات عدّة هي امتداد لقوميّات البلدان التي تجاوره، فرنسا وألمانيا وإيطاليا. وهكذا تغدو المسافة بين التورّط في حرب خارجيّة ونشوب حرب داخليّة مسافة قصيرة جدّاً، ما يرفع الحياد إلى سويّة الضرورة القصوى والعقيدة الوطنيّة لشعب قرّر ألاّ يكون امتداداً لجيرانه.

وعلى رغم انتقادات، بعضُها وجيه، لاشتغال مبدأ «التوافقيّة» في لبنان، يبقى أنّ هذا الهمّ لم يفارق مهندسي الصيغة اللبنانيّة، ما دلّ إليه رمزيّاً اقتران استقلال 1943 باسمي بشارة الخوري ورياض الصلح. وأغلب الظنّ أنّ تغليب العلاقة بالخارج، مع الناصريّة ثمّ مع الثورة الفلسطينيّة، كان أكثر ما أعاق تذليل الغبن النازل بالطوائف الإسلاميّة حتّى إذا انفجرت، أواسط السبعينات، حرب مريرة ومديدة لم تتوقّف حتّى أواخر الثمانينات، ذُلّل قسط كبير من هذا الغبن عبر «اتّفاق الطائف» الذي حسّن شروط التوافقيّة.

ولا يبالغ من يقول اليوم إنّ السلاح العائقُ الأكبر دون تطوير أيّ توافُق. فهو ما يؤجّج المخاوف، ويُحلّ الريبة حيث ينبغي أن تسود الثقة بين أبناء وطن يُفترض أنّه واحد، دافعاً إلى حروب خارجيّة تجعل التوافق ضرباً من الاستحالة. وهذا قبل أن نضيف مأساة النزوح، كامتداد للحرب، بوصفها وقوداً لنزاع أهليّ ضامر.

ولمّا كان التوافق، في الحالة اللبنانيّة، الشرط الشارط لأيّة وطنيّة قابلة للحياة، انتفت عن حزب الله وحربه صفة الوطنيّة التي ينسبها البعض إليهما، وصارا بالتعريف حالة مضادّة للوطنيّة. فلا يُعقل مثلاً أن يكون ثلثا اللبنانيّين على الأقلّ غير مقتنعين بهذه الحرب التي سيقوا إليها وأن تكون تلك الحرب «وطنيّة»، أو أن يكون وطنيّاً عدم الاكتراث بمؤسّسات دولة منتخبة نَزعتْ، بدورها، الشرعيّة عن سلاح الحزب إيّاه، وهذا ناهيك عمّا لا ينكره الأخير لجهة العلاقة العضويّة بإيران وحرسها الثوريّ.

أمّا ما يستند إليه المدافعون عن «وطنيّة» الحزب وحربه فأمورٌ ثلاثة متلازمة: الأوّل، تعريف ضمنيّ للوطن نفسه على نحو لا يعبأ بتركيب مجتمعه وثقافات جماعاته الفرعيّة، بحيث يُقدّم الانقسام الأهليّ بوصفه بين «يمين» و«يسار»، أو بين «كرامة» و«ذلّ»... والثاني، تخوين أكثريّة كبرى من أبناء الوطن والتشهير بها لأنّها ترفض خياراً مصيريّاً اختارته أقلّيّة صغرى وفرضته بقوّة السلاح. أمّا الثالث، فاعتماد تعريف للوطنيّة لا يقوم على افتراضها توافقاً بل يفترضها غلبةً وإخضاعاً لـ«أعداء الشعب»، وتالياً إحلال معنى ضِدّيّ لهذه الوطنيّة المزعومة يجعلها تُقاس بالعداوة لطرف خارجيّ ما («الوطنيّة هي العداء للإمبرياليّة والصهيونيّة»)، ولا يقيسها على مدى الاندراج في التوافق وتطويرها إيّاه. وهو، بالطبع، تعريف لا يخضع لاستفتاء آراء الجماعات بل يخوّن مَن يطالبون باستفتاء كهذا.

وتلك المواصفات لئن أضافت الاستبداد وتزوير المعاني إلى اللاوطنيّة فإنّها، بالحروب المتواصلة والأكلاف الإنسانيّة والاقتصاديّة الباهظة، تهدّد بدفع أكثريّة السكّان إلى الاحتراب الأهليّ الذي يبدّد كلّ وطن أو وطنيّة. ما يحصل اليوم في لبنان هو هذا بالضبط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وطنيَّة «حزب الله» بوصفها بالضبط عكس الوطنيَّة وطنيَّة «حزب الله» بوصفها بالضبط عكس الوطنيَّة



GMT 02:35 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

شرق أوسط جديد “مشوّه”!

GMT 02:31 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

لغز النفط والتسعير في الأردن !

GMT 02:27 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

ملاحقة الجوهرة البريطانية

GMT 02:16 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

ميريل ستريب

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 02:35 2026 الأحد ,03 أيار / مايو

شرق أوسط جديد “مشوّه”!

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 10:58 2026 الخميس ,30 إبريل / نيسان

دعاء سماع الأذان والأذكار المستحبة

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 15:33 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

تقنية جديدة لمساعدة الروبوتات على التكيف مع البيئة المحيطة

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 01:17 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرات الأسهم الأميركية تبدأ تداولاتها على ارتفاع

GMT 21:15 2021 الخميس ,15 تموز / يوليو

حسين الجسمي يطرح "حته من قلبي" على "يوتيوب"

GMT 11:08 2021 الأحد ,24 كانون الثاني / يناير

البنك المركزي المصري يطرح أذون خزانة بقيمة 15 مليار جنيه

GMT 02:03 2020 الثلاثاء ,22 كانون الأول / ديسمبر

سلالة كورونا الجديدة تعيد أسعار النفط إلى ما قبل 6 أشهر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt