توقيت القاهرة المحلي 05:33:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نندم... لكنْ ماذا بعد الندم؟

  مصر اليوم -

نندم لكنْ ماذا بعد الندم

بقلم :حازم صاغية

في لغة اللبنانيّين السياسيّة تعابير لا تكفّ عن التكرار، منها «استعادة الدولة» و«العودة إلى اتّفاقيّة الهدنة» و«الرجوع إلى اتّفاق الطائف»، وبدرجة من الإجماع أقلّ، التحسّر على «الاتّفاقيّة اللبنانيّة - الإسرائيليّة لانسحاب القوّات» التي اشتهرت باتّفاقيّة «17 أيّار». والقاسم المشترك بين هذه التعابير إعلان الرغبة، وأحياناً الحماسة، لاسترجاع زمن وحالة سابقين لم يُكتب لهما البقاء على قيد الحياة.

ومن هذا «الحنين» يُستخلص أنّ كلّ ماضٍ كان أفضل من الحاضر الذي تلاه، وأنّ اللبنانيّين لم يفعلوا، في ماضيهم ذاك، إلاّ الخطأ، لا سيّما فيما خصّ قراراتهم المتعلّقة بأمور الحرب والسلام.

فـ «استعادة الدولة» تعني الرجوع إلى ما قبل اندلاع الحرب الأهليّة في 1975، وربّما إلى ما قبل اتّفاق القاهرة في 1969 الذي بدأ معه قضم سيادة الدولة. و«العودة إلى اتّفاقيّة الهدنة» للعام 1949 معناها الانكفاء مجدّداً إلى حالة غير حربيّة على الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة، فيما أهمّ ما يعنيه «الرجوع إلى اتّفاق الطائف» للعام 1989 عدم استثناء أيّة ميليشيا من تسليم السلاح إلى الدولة. وبدوره فالتحسّر على «17 أيّار» مفاده أنّ اللبنانيّين لا يستطيعون اليوم الحصول على ما حصلوا عليه حينذاك.

وهكذا فإنّ الزمن السابق الذي يثير الرغبة، أو الحماسة، في العودة إليه هو الزمن ما قبل الحربيّ، وما قبل الميليشيويّ بالتالي، حيث تحتكر الدولة وحدها أدوات العنف وتفرض على حدودها الدوليّة الهدوء والسكينة.

لكنّ الخراب الذي تؤمَل مغادرته ليس أطلالاً أحدثتها يد الأزمنة وأفعال الطبيعة، أطلالاً تدفع الشعراء إلى البكاء عليها، بل هو فعل ذاتيّ حرّ ارتكبه بشرٌ بأسلحة رفعوها وأفكار حملوها وتنظيمات وأحزاب أنشأوها. ولأنّه كذلك باتت العودة عنه تنطوي على جرعة من الندم وإن تولّت المكابرة أحياناً إنكار الندم ومنحه تسميات أخرى.

ونحن إذا ذهبنا أبعد قليلاً من السياسة بمعناها الضيّق والمباشر، وجدنا أنّ الندم على أفعال ذاتيّة يطال حالات وتجارب أعرض سبق للأديان القديمة والميثولوجيا والأدب أن تناولتها، محاولةً بذلك التنبيه إلى المسؤولية والنضج الإنسانيّين وإلى طبائع الزمن وتحوّلاته.

فمثلاً كان «الابن الضالّ»، وفق الكتاب المقدّس، شابّاً بدّد بالطيش ميراثه فانتهى به المطاف مُعدَماً يرعى الخنازير، وهي كانت تُعتبر مهنة مسيئة لصاحبها. هكذا استولى عليه البؤس وميل إلى التوبة والتواضع. بيد أنّ «الضالّ» ما لبث أن «عاد إلى رشده»، كما قال النصّ، معلناً: «يا أبي، أخطأت إلى السماء وإليك».

فالأمر، إذاً، انتقل من إعلان الندم إلى التوبة، ومن التوبة إلى ترجمتها العمليّة التي عاد التائب بموجبها إلى بيت أهله.

لكنّ المسألة قد تكون أصعب وأشدّ استعصاء، حيث ينسدّ طريق الندم بحقيقة أنّ العالم المندوم عليه لم يعد موجوداً أصلاً، أو أنّ استعادته باتت من المستحيلات. وأصعب الأصعب هو ما نجده في «المقامر» – بطل رواية دوستويفسكي. فالراوي أليكسي إيفانوفيتش يدمّر نفسه مرّة بعد أخرى بالمقامرة، لكنّ كلّ خسارة يُمنى بها ترفع وعيه بالعجز عن مغادرة الدوّامة تلك، فلا يبقى من ندمه إلاّ عذابه النفسيّ. فهو، بعد الخسارة، ينتابه شعور بالخزي والاشمئزاز من نفسه التي يحسّ أنّه أهانها وحطّ من كرامتها. إلاّ أنّه أسير تورّطٍ لا يستطيع التحكّم به والتغلّب عليه. هكذا لا يجد ما يلجأ إليه إلاّ تعليل النفس بأنّه لا بدّ أن يكسب في المرّة المقبلة لأنّه حتماً سوف يقامر بشكل أفضل. وعلى هذا النحو فإنّ الندم الذي يظهر بعد جولة الخسارة لا يلبث أن يختفي قبل الجولة الثانية، وبين الجولتين يتمكّن منه تدمير ذاته المأسورة بطاولة القمار.

ويذكر اللبنانيّون أنّ زعيم «حزب الله» الراحل، حسن نصر الله، كان قد قال قبل عشرين سنة: «لو كنت أعلم»، مفصحاً عن ندمه على شنّه الحرب في 2006 بنتيجة خطفه جنديّين إسرائيليّين. بيد أنّ ذاك الندم لم يمنعه من تكرار الفعلة إيّاها مرّةً بعد مرّة. وهنا نقع على أسباب أخرى تجعل الندم، ما لم يقترن بمراجعات جذريّة، عميقة وقاسية، لزوم ما لا يلزم. ذاك أنّ عدم تصفية الحساب مع مبادئ كسيادة الدولة، ورفض العنف، وعدم الانجرار وراء مصالح خارجيّة يستحيل التحكّم بها، يجعل ذاك الندم مجرّد كلام معسول يخفّف خطأ النادم ويساعده على التنصّل من المسؤوليّة.

ولأنّ كثيراً من الندم الذي يعرفه اللبنانيّون ويعلنونه هو من هذا الصنف، تزداد العودات اللفظيّة إلى أمكنة صارت تستحيل العودة إليها، أو أنّ أصحابها لا يريدون فعلاً أن يُعاد إليها. فالأمر أشبه بنسق يتكرّر ولا يُستخلَص منه إلاّ الإكثار من إعلان الرغبة في العودة فيما الابن الضالّ ممعن في ضلاله.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نندم لكنْ ماذا بعد الندم نندم لكنْ ماذا بعد الندم



GMT 02:18 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لعنةُ إبادة غزة وارتداداتُها

GMT 02:16 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

فارق الوقت وفالق الزلازل

GMT 02:13 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

GMT 02:11 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

عامٌ خامسٌ من الحربِ ولا سَلامَ في الأفق

GMT 02:10 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

رمضان والمجتمع

GMT 02:09 2026 الأحد ,01 آذار/ مارس

متحف الأوهام

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:31 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العذراء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:27 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجوزاء الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 03:52 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

هل تدريس الرياضيات يحسّن من مستوى الطلبة؟

GMT 07:40 2025 الإثنين ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

موعد مباراة بلغاريا وجورجيا في تصفيات كأس العالم 2026

GMT 21:38 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

تقدم منتخب مصر لليد على تشيلي بنتيجة 28 / 23 بعد 50 دقيقة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt