بقلم:طارق الشناوي
أتذكر قبل نحو ١٩ عامًا، عندما قدم المخرج الرومانى الذى كان وقتها شاباً كريستيان مونيجو فيلمه الروائى الأول «٤ شهور ٣ أسابيع ويومان» وحصل على «السعفة الذهبية»، رأيته حدثاً استثنائياً، استحوذ المخرج على قلبى وعقلى فى الفيلم.
انتقد النظام الشيوعى فى فترة حكم الديكتاتور شاوسيسكو، مزج رؤيته السياسية الرافضة للنظام الشيوعى الذى انتهى بسقوط الطاغية وإعدامه.
العنوان يحمل أيضاً بتلك الأرقام غموضاً محبباً، المقصود هو عمر الجنين وفى تلك المرحلة يصعب الإجهاض، وكانت رومانيا الشيوعية فى ذلك الزمن تريد زيادة الإنجاب وتحفز عليه المواطنين وتصادر حبوب منع الحمل، وهنا بدأت مأساة البطلة فى محاولة مستحيلة للتخلص من الجنين، حتى إن الطبيب الذى وافق على إجراء الإجهاض، اشترط اغتصابها أولاً.
الفيلم اعتبر وقتها أحد أهم أفلام العام ٢٠٠٧. يعود كريستيان مونجيو إلى «كان» ولكن بطموح فنى أقل، شيء ما من خفوت البريق يحدث أيضاً لمن يقف خلف الكاميرا، القضية لها قطعاً مردودها الإنسانى مهما كانت الزاوية الدينية والأخلاقية والاجتماعية التى ستطل منها على الحدث.
فيلمه الجديد «فيورد» «المضيق البحرى»، عائلة رومانية تسافر إلى النرويج تهاجر معها أيضاً ثقافتها وموروثها الفكرى، بينما النرويج تعيش ثقافة مختلفة، رومانيا كانت تنتمى فى عصر ما قبل «البروستريكا» قبل انهيار الاتحاد السوفيتى ١٩٩١ إلى ما كان يعرف بأوروبا الشرقية، ثقافة مختلفة عن أوروبا الغربية.. هذا هو عمق الفكرة التى توقف عندها المخرج، رومانيا مثل بعض المجتمعات الشرقية تستخدم قدراً مقنناً من العنف مع الأبناء، إلا أن القانون يحرم ويجرم تلك الممارسات.
القانون يصطدم مع عادات تشبه التربية الشرقية.. أب وأم وخمسة أطفال، هناك بقايا ما من العنف يمارسه الأب والأم، هنا تتدخل الدولة النرويجية للتصدى، يحركها القانون ويبدأ التحقيق الاجتماعى والنفسى والجنائى، فى محاولة لوضع نهاية بعض المجتمعات، خاصة الشرقية، قد تسمح بقدر من العنف لا يصل إلى حدود التشويه أو الإيذاء، ولكن هناك هامشاً من القبول. أعتقد أيضاً أن كل من يشاهد الفيلم مهما كانت لديه محدداته الدينية والأخلاقية سيجد أن أمامه سؤالاً يتحرك فى داخله بحثاً عن إجابة، تغير «ترمومتر» التعامل مع الأبناء مع تغير الزمن، فى عالمنا العربى مسألة العقاب البدنى التى عاشتها أو بالأحرى تعايشت معها الأجيال القديمة أصبحت أيضاً مرفوضة، ورغم ذلك تجد من يتباكى حتى الآن على أيام «الفلكة»، آلة للتعذيب كانت تستخدم فى المدارس فيما مضى للعقاب، مع سلاح «الخرزانة» وعدد من الآباء لا يزالون يترحمون على تلك الأيام، مؤكدين أن هذا هو سر تحلى الجيل القديم بالأدب والعلم معاً.
السيناريو صدر لنا كجمهور القضية ولم ينحز إلى اتجاه، أنت أيضاً تقف مثل الممثلين على الشاشة، فى حالة حيرة لا تستطيع أن تدين الأب والأم تماماً لأنك مدرك أن ما يحركهما هو الحب، فى نفس الوقت ترى أن الدولة النرويجية ممثلة فى القضاء وأساتذة علم النفس والاجتماع يعبرون عن وجهة نظر تحمل قدراً لا ينكر من الصواب، الدولة تحمى كل من يعيش على أرضها من أى عدوان حتى ولو كان أقرب الناس إليه.
المجتمعات الأوروبية برغم ما تدعو إليه لاستيعاب كل الأنماط، ومن الممكن أن تتسع دائرة الرؤية لتطل بزاوية أكبر، هل تستوعب الآخر بقانونه وثقافته؟.
إلا أنها تفتح الباب فقط لمن يتبنى ثقافتها؟ ستظل تلك المسافة زئبقية وشائكة.
الجانب السردى والقانونى أخذ مساحة «معتبرة» من الفيلم وبات الأمر أشبه بصراع فكرى يعيشه الأبطال على الشاشة، وتعيشه أنت أيضاً معهم.
لا أدرى هل تعاطفى مع الزوج والزوجة برغم رفضى التام لأسلوب العقاب الذى مارساه ضد أبنائهما يدخل فيه إحساسى الشرقى أم أنه حق لهما، والخوف من الانفصال القسرى للأبناء عن الأب والأم طبقاً للقانون الوضعى بات يشكل أمراً حتمياً، هل الزوج والزوجة فى النهاية استوعبا الدرس، أم أنهما خضعا فقط للقانون حتى يعود الأبناء للبيت؟، هل سيعبرون معاً «فيورد» المضيق البحرى؟!.
قبل ١٩ عاماً استحوذ كريستين مونجيو على قلبى وعقلى واستحق «السعفة»، هذه المرة منحته فقط عقلى، ولا أتصور أن هذا يكفى للحصول مجدداً على السعفة؟.