توقيت القاهرة المحلي 05:00:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إكراه بلا رصاص

  مصر اليوم -

إكراه بلا رصاص

بقلم : عبد اللطيف المناوي

منذ أسابيع يعود تعبير «الخروج الطوعى من غزة» إلى الواجهة، كأنه خيار إنسانى مفتوح أمام سكان القطاع، بينما تكشف الوقائع أن الطوعية هنا ليست سوى قشرة لغوية تغطى عملية ضغط منظم لدفع الناس إلى الرحيل. فمع دخول القرار الأمريكى الخاص بغزة حيّز التنفيذ بعد إقراره فى مجلس الأمن، بدا واضحا أن واشنطن منحت إسرائيل اليد العليا فى تفسير وتنفيذ بنوده، وتراجعت عمليا أدوار الأطراف الراعية، لصالح واقع جديد يُصاغ على الأرض خارج النصوص المعلنة.

أخطر ما فى هذا الواقع ما كشفته تقارير أمريكية وإسرائيلية عن تقسيم القطاع إلى «غزة حمراء» تضم أغلبية السكان فى بيئة مدمَّرة وخدمات منهارة، و«غزة خضراء» أكثر اتساعا وأقل اكتظاظا، يبدأ فيها الإعمار وتُبنى بنية أمنية محلية ترتبط مباشرة بالاحتلال. هذا ليس «ترتيبا أمنيا» ولا «مرحلة انتقالية»، بل مشروع سياسى لإنشاء بيئتين متناقضتين داخل غزة، بيئة خانقة غير قابلة للحياة، وأخرى تُقدَّم بوصفها «الملاذ الممكن». ومع اتساع الفارق بينهما، يتحول الانتقال من واحدة إلى أخرى من اختيار فردى إلى رد فعل قسرى على واقع لا يُحتمل.

فى موازاة ذلك أُغلق معبر رفح عمليا أمام المرضى والطلاب والحالات الإنسانية، بينما فُتح مسار عبر مطار رامون، تديره مؤسسات مشبوهة خارج القطاع وداخله، فى صورة أقرب إلى «تهجير منظّم» يُسوَّق على أنه سفر اختيارى. هكذا يُعاد إنتاج الفكرة القديمة نفسها بصياغة جديدة: لا حافلات ترحيل على الحدود هذه المرة، بل خنق إنسانى فى الداخل وبوابة «فرج» صغيرة فى الخارج، من يملك ثمنها يخرج، ومن لا يملك يُترك لمصيره فى غزة الحمراء.

مع ذلك، لا تتحرك هذه الخطة فى فراغ، فالموقف المصرى والسعودى معلَن وحاسم برفض أى تغيير ديموغرافى فى غزة، وأى صيغة ترحيل جماعى أو فردى مقنّع، كما يدرك الفلسطينيون أن «الانتقال الداخلى» قد يتحول إلى خطوة أولى على طريق تفكيك وحدة القطاع، وأن قبول منطق «الخروج الطوعى» اليوم يعنى شرعنة نمط جديد من التهجير الناعم غدا. فى المقابل تبدو إسرائيل ممزقة بين رغبة تيار متطرف فى استثمار اللحظة حتى النهاية، ومحاذير تيار آخر يخشى أن تتحول «غزة الحمراء» إلى مستنقع أمنى

يتعمق الالتباس مع غياب قوة الاستقرار الدولية التى يفترض أن تنتشر فى المنطقة الخضراء. فلا دولة أعلنت استعدادها لإرسال قوات إلى غزة المكتظة، ولا آليات عمل واضحة ظهرت حتى الآن. عمليا، يتحول مشروع التقسيم إلى قرار إسرائيلى صرف: ترسم الحدود على الأرض، تُطلق مشاريع إعمار هنا، وتُترك الفوضى هناك، ثم يقال للعالم إن من ينتقل أو يغادر إنما يفعل ذلك «برغبته».

هل يمكن الحديث عن طوعية حقيقية فى ظل هذا المشهد؟، عندما يعيش الناس بلا كهرباء ولا ماء ولا عمل ولا أفق لإعادة الإعمار، ويُعرض عليهم فى المقابل انتقال إلى منطقة أكثر أمنًا وخدمات، تصبح «الإرادة الحرة» مفهومًا نظريًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إكراه بلا رصاص إكراه بلا رصاص



GMT 08:52 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مياه جديدة في نهر الدانوب

GMT 08:49 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الأرض... زورق النجاة الأزرق

GMT 08:47 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

جنوبيّون في روايتهم الصادقة وعاطفتهم النبيلة

GMT 08:45 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الطريق إلى الجحيم والقمر

GMT 08:43 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

متى نرى الهدوء يغمر المنطقة؟

GMT 08:41 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

الحضارات أقوى مِن المَوات

GMT 08:38 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

بكين ــ بيونغ يانغ... خريطة الشطرنج الآسيوية

GMT 08:31 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

قادة الرأى

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 10:27 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

ميسي يتصدر قائمة تاريخية في كأس العالم قبل نسخة 2026
  مصر اليوم - ميسي يتصدر قائمة تاريخية في كأس العالم قبل نسخة 2026

GMT 09:03 2025 الجمعة ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النيران تلتهم أكثر من 20 سيارة تسلا في مركز بيع بفرنسا

GMT 03:03 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

كل ما تريد معرفته عن شروط الألتحاق بكلية أخرى بعد التخرج

GMT 20:21 2021 الإثنين ,22 آذار/ مارس

مقتل أخطر قيادي لـ"داعش" في شمال سيناء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt