توقيت القاهرة المحلي 02:53:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

في لحظة بدت كأنها خارجة من أرشيف الانقلابات القديمة، استيقظ العالم على إعلانٍ صادم، الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يقول إن الولايات المتحدة نفّذت «ضربة واسعة النطاق» ضد فنزويلا، وإن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته «أُلقى القبض عليهما ونُقلا خارج البلاد».

سواء ثَبُتت تفاصيل الرواية كما قيلت حرفيًا أم تبدلت مع تكشف الوقائع، فمجرد تداولها بهذه الصيغة، وبهذا المستوى من الثقة، يعيد فتح باب قديم فى الذاكرة السياسية، باب «أمريكا اللاتينية» بوصفها المسرح الأكثر تكرارًا لاختبار القوة الأمريكية، والتدخل المباشر أو غير المباشر، وصناعة نهايات الحكام خارج الحدود.

هذه ليست قصة فنزويلا وحدها، بل قصة منطق حاكم طويل: منطق «الفناء الخلفى» الذى لم يختف، بل تغيرت لغته وأدواته. فمنذ القرن التاسع عشر، تشكلت العقيدة السياسية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربى على قاعدة أن هذه المنطقة ليست ساحة عادية فى العلاقات الدولية، بل مجال نفوذ «محجوز» ينبغى منع الآخرين من مزاحمته. «مبدأ مونرو» الذى خرج عام ١٨٢٣ ظاهره منع أوروبا من التوسع فى الأميركتين، وباطنه، كما قرأته أجيال لاحقة، إعلان وصاية مبكرة على الجغرافيا السياسية للقارة.

ثم جاء «ملحق روزفلت» فى مطلع القرن العشرين ليحول الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، حين تُعرِّف واشنطن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» فى دولةٍ ما بوصفه خطرًا يبرّر التدخل لإعادة «النظام». هذه اللغة الأخلاقية، لتى تبدو أنيقة على الورق، كانت فى الواقع مظلة سياسية لتثبيت النفوذ، وتأمين طرق التجارة، وحماية الاستثمارات، وإرسال رسائل ردع للخصوم الدوليين.

ومنذ ذلك الحين، صار التدخل مدرسة بأكثر من فصل، لا نوعا واحدًا. هناك تدخل «بالاحتلال» حين تذهب القوات إلى الأرض، وتدخل «بالانقلاب» حين تُدار السياسة من غرفة أخرى، وتدخل «بالحصار» حين يصبح الاقتصاد هو ساحة المعركة، وتدخل «بالاعتراف والشرعية» حين تعاد صياغة الداخل عبر دعم طرفٍ ومنح آخر العزلة. حتى عندما تراجعت شهية الاحتلال العسكرى المباشر مع الزمن، ظل جوهر الفكرة حيا، لا تُترك المنطقة لتوازناتها وحدها.

فى الحرب الباردة، كان الشعار الأكبر هو «مكافحة الشيوعية»، وفى ما بعد صار الشعار «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، ثم «الحرب على المخدرات»، ثم «مكافحة الإرهاب»، ثم «الاستقرار ومنع الفوضى والهجرة»، وكلها عناوين متغيرة تغطى أسئلة ثابتة: من يحكم؟ مع من يتحالف؟ من يملك النفط والغاز والممرات؟ وما حدود اقترابه من خصوم واشنطن؟

ولهذا تبدو فنزويلا «بالذات» مادةً دائمة فى مختبر السياسة الأمريكية، بلد نفطى، قريب جغرافيًا، وتاريخه السياسى الحديث مفعم بالصدامات الأيديولوجية، وبحساسية شديدة تجاه السيادة الوطنية. وعندما يأتى خبر عن ضربات واعتقال رئيس ونقله خارج البلاد، فإن ذاكرة القارة لا تستقبله كصدمة مطلقة، بل كنسخة جديدة من حكاية تعرفها جيدًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة هندسة تغيير السلطة



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:12 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

منتخب مصر يواصل إسقاط حاملي اللقب في كأس أمم أفريقيا
  مصر اليوم - منتخب مصر يواصل إسقاط حاملي اللقب في كأس أمم أفريقيا

GMT 02:53 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن
  مصر اليوم - بيومي فؤاد يعتذر لمحمد سلام ويتمنى عودته القوية للفن

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt