توقيت القاهرة المحلي 02:17:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

في لحظة بدت كأنها خارجة من أرشيف الانقلابات القديمة، استيقظ العالم على إعلانٍ صادم، الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يقول إن الولايات المتحدة نفّذت «ضربة واسعة النطاق» ضد فنزويلا، وإن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته «أُلقى القبض عليهما ونُقلا خارج البلاد».

سواء ثَبُتت تفاصيل الرواية كما قيلت حرفيًا أم تبدلت مع تكشف الوقائع، فمجرد تداولها بهذه الصيغة، وبهذا المستوى من الثقة، يعيد فتح باب قديم فى الذاكرة السياسية، باب «أمريكا اللاتينية» بوصفها المسرح الأكثر تكرارًا لاختبار القوة الأمريكية، والتدخل المباشر أو غير المباشر، وصناعة نهايات الحكام خارج الحدود.

هذه ليست قصة فنزويلا وحدها، بل قصة منطق حاكم طويل: منطق «الفناء الخلفى» الذى لم يختف، بل تغيرت لغته وأدواته. فمنذ القرن التاسع عشر، تشكلت العقيدة السياسية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربى على قاعدة أن هذه المنطقة ليست ساحة عادية فى العلاقات الدولية، بل مجال نفوذ «محجوز» ينبغى منع الآخرين من مزاحمته. «مبدأ مونرو» الذى خرج عام ١٨٢٣ ظاهره منع أوروبا من التوسع فى الأميركتين، وباطنه، كما قرأته أجيال لاحقة، إعلان وصاية مبكرة على الجغرافيا السياسية للقارة.

ثم جاء «ملحق روزفلت» فى مطلع القرن العشرين ليحول الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، حين تُعرِّف واشنطن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» فى دولةٍ ما بوصفه خطرًا يبرّر التدخل لإعادة «النظام». هذه اللغة الأخلاقية، لتى تبدو أنيقة على الورق، كانت فى الواقع مظلة سياسية لتثبيت النفوذ، وتأمين طرق التجارة، وحماية الاستثمارات، وإرسال رسائل ردع للخصوم الدوليين.

ومنذ ذلك الحين، صار التدخل مدرسة بأكثر من فصل، لا نوعا واحدًا. هناك تدخل «بالاحتلال» حين تذهب القوات إلى الأرض، وتدخل «بالانقلاب» حين تُدار السياسة من غرفة أخرى، وتدخل «بالحصار» حين يصبح الاقتصاد هو ساحة المعركة، وتدخل «بالاعتراف والشرعية» حين تعاد صياغة الداخل عبر دعم طرفٍ ومنح آخر العزلة. حتى عندما تراجعت شهية الاحتلال العسكرى المباشر مع الزمن، ظل جوهر الفكرة حيا، لا تُترك المنطقة لتوازناتها وحدها.

فى الحرب الباردة، كان الشعار الأكبر هو «مكافحة الشيوعية»، وفى ما بعد صار الشعار «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، ثم «الحرب على المخدرات»، ثم «مكافحة الإرهاب»، ثم «الاستقرار ومنع الفوضى والهجرة»، وكلها عناوين متغيرة تغطى أسئلة ثابتة: من يحكم؟ مع من يتحالف؟ من يملك النفط والغاز والممرات؟ وما حدود اقترابه من خصوم واشنطن؟

ولهذا تبدو فنزويلا «بالذات» مادةً دائمة فى مختبر السياسة الأمريكية، بلد نفطى، قريب جغرافيًا، وتاريخه السياسى الحديث مفعم بالصدامات الأيديولوجية، وبحساسية شديدة تجاه السيادة الوطنية. وعندما يأتى خبر عن ضربات واعتقال رئيس ونقله خارج البلاد، فإن ذاكرة القارة لا تستقبله كصدمة مطلقة، بل كنسخة جديدة من حكاية تعرفها جيدًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة هندسة تغيير السلطة



GMT 21:42 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

إمّا السلاح… وإمّا لبنان!

GMT 21:40 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

لم نكن نستحق الفوز على السنغال

GMT 21:37 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

كله سلف ودين

GMT 07:31 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

زوال الأحزاب

GMT 07:30 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

كيف يبقى النظام: بالإصلاح أم بالإصرار؟

GMT 07:28 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

قبل الصدام الكبير إن حصل... لديّ حلم

GMT 07:27 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ترمب: الأفضل لم يأتِ بعد

GMT 07:25 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

ليبيا بين أزمة السيادة والمناصب السيادية

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:53 2026 الجمعة ,16 كانون الثاني / يناير

حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون
  مصر اليوم - حمية غذائية تمنح أملاً جديدًا لملايين المصابين بداء كرون

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 04:34 2017 الخميس ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

طرق مضمونة لتوظيف الشمع في الديكور دون أضرار

GMT 06:29 2017 الثلاثاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين رضا تحل ضيفة في برنامج "هنا العاصمة" الثلاثاء

GMT 14:11 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

باسم مرسي يعود إلى تدريبات الزمالك بعد لقاء الاتحاد

GMT 07:01 2015 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

المطربة ياسمين علي تتألق على مسرح معهد الموسيقي العربية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt