توقيت القاهرة المحلي 12:30:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

  مصر اليوم -

هندسة تغيير السلطة

بقلم : عبد اللطيف المناوي

في لحظة بدت كأنها خارجة من أرشيف الانقلابات القديمة، استيقظ العالم على إعلانٍ صادم، الرئيس الأمريكى دونالد ترامب يقول إن الولايات المتحدة نفّذت «ضربة واسعة النطاق» ضد فنزويلا، وإن الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته «أُلقى القبض عليهما ونُقلا خارج البلاد».

سواء ثَبُتت تفاصيل الرواية كما قيلت حرفيًا أم تبدلت مع تكشف الوقائع، فمجرد تداولها بهذه الصيغة، وبهذا المستوى من الثقة، يعيد فتح باب قديم فى الذاكرة السياسية، باب «أمريكا اللاتينية» بوصفها المسرح الأكثر تكرارًا لاختبار القوة الأمريكية، والتدخل المباشر أو غير المباشر، وصناعة نهايات الحكام خارج الحدود.

هذه ليست قصة فنزويلا وحدها، بل قصة منطق حاكم طويل: منطق «الفناء الخلفى» الذى لم يختف، بل تغيرت لغته وأدواته. فمنذ القرن التاسع عشر، تشكلت العقيدة السياسية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربى على قاعدة أن هذه المنطقة ليست ساحة عادية فى العلاقات الدولية، بل مجال نفوذ «محجوز» ينبغى منع الآخرين من مزاحمته. «مبدأ مونرو» الذى خرج عام ١٨٢٣ ظاهره منع أوروبا من التوسع فى الأميركتين، وباطنه، كما قرأته أجيال لاحقة، إعلان وصاية مبكرة على الجغرافيا السياسية للقارة.

ثم جاء «ملحق روزفلت» فى مطلع القرن العشرين ليحول الوصاية من موقف دفاعى إلى رخصة تدخل، حين تُعرِّف واشنطن «الاضطراب» أو «سوء الإدارة» فى دولةٍ ما بوصفه خطرًا يبرّر التدخل لإعادة «النظام». هذه اللغة الأخلاقية، لتى تبدو أنيقة على الورق، كانت فى الواقع مظلة سياسية لتثبيت النفوذ، وتأمين طرق التجارة، وحماية الاستثمارات، وإرسال رسائل ردع للخصوم الدوليين.

ومنذ ذلك الحين، صار التدخل مدرسة بأكثر من فصل، لا نوعا واحدًا. هناك تدخل «بالاحتلال» حين تذهب القوات إلى الأرض، وتدخل «بالانقلاب» حين تُدار السياسة من غرفة أخرى، وتدخل «بالحصار» حين يصبح الاقتصاد هو ساحة المعركة، وتدخل «بالاعتراف والشرعية» حين تعاد صياغة الداخل عبر دعم طرفٍ ومنح آخر العزلة. حتى عندما تراجعت شهية الاحتلال العسكرى المباشر مع الزمن، ظل جوهر الفكرة حيا، لا تُترك المنطقة لتوازناتها وحدها.

فى الحرب الباردة، كان الشعار الأكبر هو «مكافحة الشيوعية»، وفى ما بعد صار الشعار «الديمقراطية وحقوق الإنسان»، ثم «الحرب على المخدرات»، ثم «مكافحة الإرهاب»، ثم «الاستقرار ومنع الفوضى والهجرة»، وكلها عناوين متغيرة تغطى أسئلة ثابتة: من يحكم؟ مع من يتحالف؟ من يملك النفط والغاز والممرات؟ وما حدود اقترابه من خصوم واشنطن؟

ولهذا تبدو فنزويلا «بالذات» مادةً دائمة فى مختبر السياسة الأمريكية، بلد نفطى، قريب جغرافيًا، وتاريخه السياسى الحديث مفعم بالصدامات الأيديولوجية، وبحساسية شديدة تجاه السيادة الوطنية. وعندما يأتى خبر عن ضربات واعتقال رئيس ونقله خارج البلاد، فإن ذاكرة القارة لا تستقبله كصدمة مطلقة، بل كنسخة جديدة من حكاية تعرفها جيدًا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هندسة تغيير السلطة هندسة تغيير السلطة



GMT 12:14 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كي لا يندم شّيعة لبنان..

GMT 12:12 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مرثيّة أخيرة لجبل عامل

GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt