توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حضارة وُجِدَت لتبقى

  مصر اليوم -

حضارة وُجِدَت لتبقى

بقلم : عبد اللطيف المناوي

من بين كل الحضارات التى عرفها الإنسان، تظل الحضارة المصرية وحدها الأكثر قدرة على الاستمرار، والأكثر حضورًا فى الوعى الإنسانى. ليست لأنها الأقدم فحسب، بل لأنها الحضارة التى لم تفقد صلتها بجذورها، ولم تتوقف عن التجدد عبر آلاف السنين.

واليوم، مع افتتاح المتحف المصرى الجديد، تعود مصر لتذكّر العالم بأنها لم تترك التاريخ خلفها، بل تحمله معها إلى المستقبل، لتؤكد مجددًا أن حضارتها وُجِدت لتبقى.

تبدأ الحكاية منذ أكثر من سبعة آلاف عام، حين صنع المصرى القديم أول نظام حكم مركزى فى التاريخ، وأول كتابة منظمة، وأول دولة موحدة. فى زمن كانت فيه شعوب الأرض ما تزال تخطو على بدايات الحضارة، كان المصريون قد شيّدوا العمارة والفكر والعدالة والروحانية.

لكن المعجزة الحقيقية لم تكن فى ما بنوه من حجارة، بل فى ما تركوه من فكرة: إن الحياة على الأرض امتداد للحياة الأبدية، وإن الخلود ممكن، ليس فى المعبد أو الهرم فقط، بل فى القيم والمعرفة والفن.

لهذا لم تُمحَ الحضارة المصرية رغم ما مرّت به من غزوات وأزمات وتغيرات سياسية. من الفراعنة إلى البطالمة، ومن الرومان إلى العرب، ومن المماليك إلى الدولة الحديثة، ظلت مصر تحافظ على جوهرها الإنسانى المتفرد، وعلى قدرتها العجيبة على امتصاص التأثيرات الخارجية دون أن تفقد ذاتها.

تاريخ مصر سلسلة من القمم وانكسارات؛ فكما عرفت فترات مجدٍ عالمى كعهد تحتمس ورمسيس وإخناتون، عرفت أيضًا عصور انكسار سياسى واقتصادى. لكنها فى كل مرة كانت تنهض، وتعيد تعريف ذاتها وفق متغيرات الزمن.

مصر لم تُلغ حضارتها القديمة ولم تُستبدل بثقافة دخيلة، بل ظلت لغتها القديمة تتنفس فى اللغة العربية المصرية، وعاداتها الزراعية مستمرة منذ النيل الأول، وطقوسها الاجتماعية تحمل مزيجًا فريدًا من الفراعنة والمسيحية والإسلام.

فى كل عصر، كانت مصر تخلق نسختها الخاصة من نفسها، دون أن تتخلى عن ملامحها الأصلية. تلك المرونة الحضارية هى ما جعلتها خالدة، وهى ما يمنحها اليوم القوة لتواجه تحديات القرن الحادى والعشرين كما واجهت الغزاة عبر العصور.

افتتاح المتحف المصرى الجديد ليس مجرد حدث ثقافى أو سياحي؛ إنه بيان حضارى معاصر تقول فيه مصر إنها لا تستعرض الماضى، بل توظّفه فى بناء الحاضر والمستقبل.

منذ أن خطّ المصرى القديم على جدار معبده عبارة: «الزمان يمضى، لكن ما تكتبه الأيدى يبقى»، وهو يعلن سرّ هذه الحضارة.

لم تبقَ مصر لأنها محمية بقوة السلاح، بل لأنها محصّنة بإيمان الإنسان بقيمة ما يصنعه.

الرسالة التى تبعثها القاهرة للعالم اليوم: الحضارة ليست ذكرى، بل مشروع مستمر. والتاريخ لا يعيش فى المتاحف فقط، بل فى وجدان أمةٍ لم تتوقف عن الإبداع منذ فجر الإنسانية.

«حضارة وُجِدَت لتبقى» ليس شعارًا بل حقيقة متجددة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حضارة وُجِدَت لتبقى حضارة وُجِدَت لتبقى



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt