توقيت القاهرة المحلي 10:46:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا سيتبقى من الانتصار.. إن حدث؟

  مصر اليوم -

ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث

بقلم : عبد اللطيف المناوي

فى التاريخ، ليست كل الانتصارات متشابهة. هناك انتصارات تُرسّخ الهيمنة، وأخرى، ربما أخطر، تكشف حدودها. من هذا النوع كانت حرب البوير فى مطلع القرن العشرين التى تحدثنا عنها منذ عدة أيام، حين انتصرت الإمبراطورية البريطانية عسكريًا، لكنها خرجت من الحرب أقل ثقة، وأكثر انكشافًا أمام عالم بدأ يتغير. واليوم، يطرح المشهد المتشكل حول إيران احتمالًا مشابهًا، أن يتحقق نصر عسكرى، لكنه يحمل فى طياته بداية تآكل استراتيجى.

هذه الصورة تعود اليوم بشكل مختلف فى التعامل مع إيران. فالتقدير الأولى لأى مواجهة كان يفترض حسمًا سريعًا بفضل الفارق الكبير فى القدرات العسكرية. لكن الواقع يشير إلى أن الصراع لا يُدار وفق قواعد الحرب التقليدية. إيران لا تسعى إلى مواجهة مباشرة بقدر ما تعتمد على إطالة أمد الصراع، وتوسيع ساحته، ورفع كلفته على خصومها. هى لا تحتاج إلى الانتصار العسكرى الصريح، بل يكفيها أن تجعل «النصر» مكلفًا إلى درجة تفقده معناه.

وهنا تتغير طبيعة المعادلة. لم يعد السؤال من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع تحمّل كلفة استخدامها؟ فكلما طال أمد الصراع، تحولت نتائجه من ساحة المعركة إلى الاقتصاد والسياسة. ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، الضغط على الأسواق، وتزايد التوترات الإقليمية. كلها عوامل قد تجعل أى انتصار عسكرى يبدو محدود الأثر أو حتى عبئا.

الأهم من ذلك أن هذه المواجهة تأتى فى لحظة عالمية مختلفة. لم تعد الولايات المتحدة تتحرك فى نظام دولى أحادى كما فى التسعينيات، بل فى بيئة تتسم بتعدد مراكز القوة، وصعود منافسين قادرين على استثمار أى استنزاف طويل. وهذا ما يجعل كلفة أى حرب ممتدة لا تُقاس فقط بنتائجها المباشرة، بل بما تفتحه من مساحات لآخرين.

فى الوقت نفسه، يعاد تشكيل مفهوم التحالف ذاته. الحلفاء لم يعودوا ينظرون إلى القوة الأمريكية كضمان مطلق، بل كجزء من معادلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها المصالح والشكوك والبدائل. وكلما طال أمد الصراع، زادت الحاجة إلى هذا الدعم، لكن زادت أيضًا الأسئلة حول حدوده واستمراريته.


فى هذا الإطار، يصبح احتمال «النصر الأجوف» واقعيًا. نصر يتحقق عسكريًا، لكنه يترك وراءه اقتصادًا مضغوطًا، وتحالفات قلقة، وخصمًا لم يُهزم بالكامل، بل أعاد تشكيل قواعد الاشتباك. نصر يثبت القدرة، لكنه يكشف القيود.

الدرس الذى يقدمه التاريخ بسيط فى صياغته، عميق فى معناه، القوة لا تُقاس فقط بقدرتها على الانتصار، بل بقدرتها على تحويل هذا الانتصار إلى استقرار. وإذا فشلت فى ذلك، يصبح النصر مجرد محطة فى طريق أطول من التحديات.

من هنا لا تكمن خطورة الحرب مع إيران فى احتمال الخسارة، بل فى احتمال الفوز بطريقة لا تحسم الصراع، بل تعيد إنتاجه بشكل أكثر تعقيدًا. وعندها، لا يكون السؤال، من انتصر؟ بل ماذا بقى من هذا الانتصار؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث ماذا سيتبقى من الانتصار إن حدث



GMT 09:28 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 09:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 09:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

نسائم التبصر لتفادي أهوال الأعظم

GMT 09:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 09:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 07:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 07:11 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ماذا فى «جراب» الاتفاق الأمريكى- الإيرانى؟

GMT 07:09 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الانسحاب والاحتلال

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 23:47 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

أحمد العوضي يحسم جدل ارتباطه عاطفياً

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:56 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

التعليم.. والسيارة ربع النقل!

GMT 02:17 2020 الإثنين ,27 تموز / يوليو

عرض مُسلسل "الحساب يجمع" الاثنين على MBC مصر2

GMT 18:09 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

نفاد تذاكر حفل مدحت صالح بأوبرا جامعة مصر

GMT 02:44 2019 الأحد ,13 كانون الثاني / يناير

أحمد صالح ينفي تعاقده على"فكرة بمليون جنيه"

GMT 20:09 2015 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

زيدان يحتفل بعيد ميلاده مع فريق الإنتاج الحربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt