بقلم : عبد اللطيف المناوي
هناك كتب تُقرأ بوصفها إضافة معرفية، وأخرى تُقرأ بوصفها تنبيهًا مبكرًا لما يتشكل تحت السطح. كتاب الدكتورة أمانى قنديل حول «الكومباوند فى مصر» ينتمى إلى النوعين.
الدكتورة أمانى قنديل، وهى من الباحثين الجادين فى نسيج المجتمع المصرى، تكتب هنا بذات السمات التى عُرفت بها، عمق فى الرؤية، صرامة فى المنهج، وقدرة على الربط بين التفاصيل الصغيرة والصورة الكبرى. وقبل كل ذلك، هى صديقة عزيزة، لكن ما يفرض نفسه فى هذا العمل ليس فقط التقدير الشخصى، بل قيمة الجهد العلمى الذى يُقدَّم، ووضوح الأسئلة التى يطرحها، حتى وإن بدت مقلقة.
الكتاب ينطلق من ظاهرة تبدو للوهلة الأولى عمرانية أو اقتصادية، انتشار الكومباوندات، أو المجتمعات السكنية المغلقة، فى المدن المصرية، خاصة القاهرة. لكن سرعان ما يتجاوز هذا الوصف إلى تفكيك أعمق، يكشف أن ما يحدث ليس مجرد انتقال سكنى، بل تحول فى بنية المجتمع نفسه. فهذه المجتمعات ليست فقط أماكن للسكن، بل أنماط حياة كاملة، تُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين الداخل والخارج، وبين الأمان والانتماء.
تطرح الباحثة إطارًا تحليليًا لافتًا يقوم على تفاعل ثلاثة عناصر: المكان، البشر، والزمن. المكان هنا ليس حيًا تقليديًا، بل فضاء جديد أُعيد تشكيله فى الصحراء، ليصبح مركزًا للثروة والامتياز. والبشر ليسوا مجرد سكان، بل فئات اجتماعية تبحث عن الأمان والتميّز، وتعيد إنتاج ذاتها داخل هذه المساحات المغلقة. أما الزمن، فهو سياق من التحولات السياسية والاقتصادية المتلاحقة، دفع كثيرين إلى البحث عن حلول فردية، بدل انتظار معالجات جماعية. هنا تصبح الكومباوندات تعبيرًا عن شىء أعمق، انسحابا تدريجيا من المجال العام. فحين ينتقل جزء من المجتمع إلى فضاءات مسوّرة، لها قوانينها وخدماتها وثقافتها الخاصة، فإن ما يتراجع ليس فقط الاحتكاك اليومى، بل فكرة «المجتمع» نفسها. تنشأ عوالم موازية، قد تتجاور جغرافيًا، لكنها تتباعد إدراكيًا وثقافيًا.
واحدة من أهم نقاط قوة الكتاب هى قدرته على الربط بين هذا التحول وبين منطق السوق والعولمة. فالكومباوندات لم تنشأ بمعزل عن الاقتصاد، بل فى قلبه. لقد تحولت إلى منتج متكامل، يُسوّق الأمان والخصوصية ونمط الحياة «المثالى»، ويستجيب فى الوقت نفسه لمخاوف حقيقية لدى قطاعات من المجتمع. وهنا تكمن المفارقة، ما يبدو استجابة عقلانية لمخاوف فردية، قد يساهم على المدى الطويل فى تعميق الفجوات الاجتماعية.
لا تقع الباحثة فى فخ الإدانة المباشرة، ولا فى التبرير الساذج، بل تحافظ على مسافة علمية، تسمح لها برصد الظاهرة كما هى، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، لكنها، فى الوقت نفسه، تترك القارئ أمام سؤال يصعب تجاهله: ماذا يعنى أن يتحول الأمان إلى مشروع خاص؟ وأن تصبح العزلة امتيازًا؟ وأن يُعاد تعريف المدينة بوصفها مجموعة من الجزر المنفصلة، لا كيانًا واحدًا؟.
هذا الكتاب يضع أمامنا مرآة صادقة، تعكس تحولات عميقة، ربما كنا نفضل ألا نراها بوضوح. وهذا، فى حد ذاته، هو الدور الأهم لأى عمل فكرى جاد.