بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى لحظات التحول الكبرى، لا يكون السؤال الحقيقى من انتصر، بل ماذا تغيّر فى ميزان القوة. اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، الذى أُعلن عنه منذ ساعات، لا يبدو نهاية حرب بقدر ما هو توقف اضطرارى لها، بعد أن وصلت كلفة الاستمرار إلى مستوى يفوق أى مكسب محتمل.
كل طرف سارع إلى إعلان النصر. فى واشنطن، تحدث دونالد ترامب عن نجاح العمليات العسكرية فى تحقيق أهدافها، وأن وقف النار جاء من موقع قوة. وفى طهران، قُدّم الاتفاق باعتباره رضوخًا أمريكيًا لشروط إيرانية كانت مرفوضة سابقًا. لكن بين هاتين الروايتين، تكشف الوقائع عن صورة أكثر تعقيدًا، لم يُحسم الصراع عسكريًا، ولم يتمكن أى طرف من فرض إرادته بالكامل.
الاختلاف بين النسختين الإنجليزية والفارسية للاتفاق يعكس هذا التباين. الرواية الأمريكية تركز على أن إيران طرحت مبادرة تفاوضية قبلت واشنطن مناقشتها دون التزام كامل بها، بينما تصوّر الرواية الإيرانية هذه المبادرة كأساس ملزم يعكس تحولًا فى الموقف الأمريكى. الحقيقة تقع فى المساحة بينهما، الولايات المتحدة لم تقبل الشروط الإيرانية كما هى، لكنها انتقلت من الرفض إلى التفاوض على أساسها، وهو تحول تكتيكى مهم.
لكن جوهر الاتفاق لا يكمن فى اللغة، بل فى الجغرافيا، وتحديدًا مضيق هرمز. هذا الممر الاستراتيجى كان محور التصعيد، وهو اليوم مفتاح التهدئة. بالنسبة لواشنطن، ضمان حرية الملاحة كان شرطًا أساسيًا لوقف العمليات. أما بالنسبة لطهران، فقد كان هرمز ورقة الضغط الأقوى، ليس فقط كأداة تعطيل، بل كوسيلة لفرض الاعتراف بدورها الإقليمى. الصيغة التى تبدو أنها تبلورت تقوم على فتح المضيق، ولكن ضمن ترتيبات تمنح إيران دورًا ضمنيًا فى تنظيم أو التأثير على الملاحة. وهذا فى حد ذاته تحول مهم، من التهديد بالإغلاق إلى التفاوض على الإدارة.
هل نحن إذن أمام انتصار؟ الأدق أن كلا الطرفين بحث عما يحفظ ماء وجهه ليدعى الانتصار، ولكن يقابله عجز استراتيجى مشترك. الولايات المتحدة أثبتت قدرتها على الردع والضرب، لكنها لم تفرض شروطها النهائية. وإيران صمدت وفرضت نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه، لكنها لم تحقق مكاسبها الكبرى، وعلى رأسها رفع العقوبات.
ما حدث فى جوهره هو اعتراف متبادل، غير معلن، بحدود القوة. كل طرف أدرك أن الاستمرار فى التصعيد قد يقوده إلى خسائر أكبر، فاختار التوقف عند نقطة توازن هش. لذلك، لا يمكن اعتبار هذا الاتفاق نهاية للصراع، بل إعادة تعريف له. فالقضايا الأساسية ما زالت قائمة، والمفاوضات المقبلة ستحدد ما إذا كان هذا التوقف سيتحول إلى مسار تسوية، أم مجرد هدنة تسبق جولة أكثر تعقيدًا.
لم ينتصر أحد بالمعنى الكامل، لكن الجميع تجنب الهزيمة الكاملة. وفى عالم يتشكل على وقع أزمات متلاحقة، قد يكون هذا هو التعريف الجديد للنصر، أن تنجح فى إيقاف النزيف، لا أن تحسم المعركة.