بقلم : عبد اللطيف المناوي
حين يُذكر اسم إسماعيل سراج الدين، فإن الحديث لا يكون عن مسؤول إدارى عابر، بل عن نموذج نادر للمثقف المؤسسى الذى نجح فى تحويل فكرة ثقافية إلى مشروع حضارى حى. الرجل لم يكن فقط أول مدير لمشروع إحياء مكتبة الإسكندرية، بل كان فى جوهره مهندسًا لرؤية، كيف يمكن لمصر أن تستعيد دورها كعقل ثقافى فى المنطقة.
جاء سراج الدين إلى مكتبة الإسكندرية محمّلًا بخبرة دولية عميقة، اكتسبها خلال عمله فى البنك الدولى، حيث لم يكن مجرد تكنوقراط، بل مفكرًا تنمويًا يربط بين المعرفة والاقتصاد والسياسات العامة. هذه الخلفية هى ما جعل مشروع المكتبة اقرب إلى منصة دولية للحوار الثقافى والعلمى. لم تكن مجرد رفوف كتب، بل فضاءً للنقاش، ومركزًا للمؤتمرات، وواجهةً لمصر أمام العالم.
استطاع أن يعيد تعريف معنى المؤسسة الثقافية. استقطب أسماء عالمية، وخلق شبكة علاقات واسعة، وربط المكتبة بملفات معاصرة مثل حوار الحضارات، والعلوم الحديثة، والتنمية المستدامة. كان حضوره، شخصيًا ومؤسسيًا، جزءًا من قوة المشروع. وهنا تحديدًا تكمن القيمة.
بعد أحداث ٢٥ يناير، دخلت مصر مرحلة إعادة تشكيل حادة، لم تقتصر على السياسة، بل طالت النخب والمؤسسات. فى هذا السياق، أصبح كثير من رموز المرحلة السابقة، بغض النظر عن طبيعة أدوارهم، عرضة للمحاسبة التى امتزج فيها القانونى بالسياسى بالشخصى.
تعرض سراج الدين لسلسلة من الاتهامات القانونية المرتبطة بإدارة المكتبة. وبغض النظر عن تفاصيل هذه القضايا، فإن الطريقة التى جرت بها، فى سياق مرحلة مضطربة، أثارت جدلًا واسعًا حول ما إذا كانت المسألة تصفية حسابات مع رموز المرحلة، أم مساءلة موضوعية.
الدول التى تعانى من نقص فى الكفاءات الاستراتيجية، لا تحتمل عادة خسارة شخصيات من هذا الوزن، حتى لو اختلفت معها سياسيًا أو إداريًا. لأن المسألة ليست فى الشخص فقط، بل فى ما يمثله من شبكة معرفة، وخبرة تراكمية، وقدرة على الربط بين المحلى والعالمى.
أما عن موقعه اليوم، فبعيدًا عن الأضواء الصاخبة، عاد إلى مساحته الطبيعية كمفكر عالمى أكثر منه مسؤولًا تنفيذيًا محليًا. التقيته مؤخراً وشاهدت تقدير الرؤساء وكبار المسؤولين والعلماء من مختلف دول العالم له.
غياب سراج الدين لم يكن مجرد خروج شخص، بل فقدان نمط من التفكير، النمط الذى يرى فى الثقافة قوة استراتيجية، وفى المعرفة أداة نفوذ، وفى المؤسسة منصة تأثير عالمى. هذا النمط لم يُستبدل حتى الآن بشكل مقنع.
يمكن لأى مؤسسة أن تجد مديرًا. لكن ليس من السهل أن تجد شخصية تجمع بين الشرعية الدولية، والقدرة على الإدارة، والرؤية الفكرية، والعلاقات العابرة للحدود. هذه تركيبة نادرة، وحين تغيب، يظهر الفراغ، حتى لو لم يُعترف به صراحة.
قد يختلف الناس حول تقييم تجربته، لكن ما يصعب إنكاره هو أنه كان أحد آخر النماذج فى مصر التى حاولت أن تبنى مشروعًا ثقافيًا بحجم عالمى، وأن خسارة هذا النموذج، بأى شكل، هى خسارة تتجاوز شخصه.