بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائى ضيق يفصل بين ضفتى الخليج، بل أصبح، كما توقعنا مبكراً، واحدًا من أخطر أوراق اللعبة فى الحرب الدائرة حاليًا. ما نشهده اليوم ليس فقط إغلاقًا لممر استراتيجى، بل توظيفًا مقصوداً ومحسوباً له كأداة ضغط جيوسياسى، تستخدمه إيران لليّ ذراع الولايات المتحدة والعالم، فى لحظة يكشف فيها النظام الدولى عن هشاشته أكثر من أى وقت مضى.
المضيق الذى يمر عبره نحو ٢٠٪ من إمدادات النفط والغاز المسال عالميًا لم يعد مجرد شريان اقتصادى، بل تحوّل إلى نقطة اختناق استراتيجية. إغلاقه أو تعطيله لم يؤدى فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، بل أحدث اضطرابًا واسعًا فى سلاسل الإمداد، من وقود الطائرات فى أوروبا، إلى الأسمدة فى أفريقيا، والغاز فى آسيا. فجأة، اكتشف العالم مرة أخرى أن أمنه الاقتصادى يمكن أن يُختطف من نقطة جغرافية واحدة.
لكن ما يجعل هذه اللحظة مختلفة هو السياق السياسى الذى جاءت فيه.. فالحرب التى اندلعت فى نهاية فبراير الماضى لم تبقَ فى حدودها العسكرية، بل سرعان ما امتدت إلى الاقتصاد العالمى. إيران، التى أدركت منذ سنوات أن المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة مكلفة لجأت إلى ما يمكن تسميته بـ«الرد غير المتكافئ»، تحويل نقاط ضعف النظام العالمى إلى أدوات ضغط. ومضيق هرمز هو أبرز هذه النقاط.
فى المقابل، جاء رد الفعل الدولى مرتبكًا. الاجتماع الافتراضى الذى استضافته المملكة المتحدة بمشاركة أكثر من أربعين دولة يعكس حجم القلق العالمى، لكنه فى الوقت نفسه يكشف حدود القدرة على الفعل. تصريحات وزيرة الخارجية البريطانية تحدثت عن «دراسة جميع الخيارات»، من الضغط الدبلوماسى إلى العقوبات، وحتى التنسيق العسكرى، لكنها لم تقدم مسارا واضحا أو قرارا حاسمًا. وكأن العالم يدير الأزمة، لكنه لا يملك حلها.
هذا الارتباك يتجلى أكثر فى مجلس الأمن، حيث تعثّر مشروع قرار يسمح باستخدام «القوة الدفاعية» لحماية الملاحة. معارضة الصين وروسيا وفرنسا لأى صيغة تفتح الباب لاستخدام القوة تعنى أن النظام الدولى، مرة أخرى، عاجز عن التوافق حتى فى مواجهة تهديد يمس الاقتصاد العالمى بأكمله. النتيجة، فراغ سياسى، تملؤه الحسابات الوطنية الضيقة بدل الإرادة الجماعية.
فى هذا السياق، تبدو تصريحات الرئيس الأمريكى ترامب أكثر دلالة من كونها مجرد موقف سياسى.. حين يدعو الرئيس الأمريكى دول العالم إلى شراء النفط الأمريكى، أو «التحلى بالشجاعة» لتأمين المضيق بأنفسهم، فإنه لا يكتفى بتوصيف الأزمة، بل يعيد تعريف موقع الولايات المتحدة منها. لم تعد واشنطن تقدم نفسها كضامن للنظام الدولى، بل كطرف يعرض بدائل، إما أن تعتمدوا علينا اقتصاديا، أو تتحملوا مسؤولياتكم الأمنية بأنفسكم.