بقلم : عبد اللطيف المناوي
لم يكن مقتل المرشد الأعلى الإيرانى على خامنئى حدثًا عسكريًا عابرًا فى سياق مواجهة متصاعدة، بل لحظة مفصلية قد تعيد تشكيل التوازنات داخل إيران وخارجها. اغتيال رجل قاد الجمهورية الإسلامية لما يقرب من أربعة عقود، وفى ذروة حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يمكن عزله عن سياقه العقائدى والسياسى والاستراتيجى. السؤال الآن لم يعد فقط، هل ستتوسع الحرب؟ بل أصبح أى إيران ستخرج من هذه اللحظة؟
فقدان هذه الشخصية فى لحظة حرب يحوّل المعركة من صراع استراتيجى إلى صراع رمزى–عقائدى. وهنا يكمن خطر التحول من مواجهة عسكرية محسوبة إلى حرب مفتوحة ذات بعد عقيدى. الحرس الثورى تعهّد بـ“عقاب شديد”، والصواريخ الإيرانية التى طالت إسرائيل وقواعد أمريكية فى الخليج تشير إلى أن طهران لا تنوى الاكتفاء بإدارة الأزمة من خلف الستار.
هل انتصر ترامب أم وضع نفسه فى مأزق؟ فى الحسابات التكتيكية، اغتيال رأس النظام قد يبدو إنجازًا عسكريًا كبيرًا. لكن السؤال الأهم، ماذا بعد؟ إسقاط رأس الهرم لا يعنى انهيار البنية. التجربة الإيرانية أظهرت مرارا أن الدولة قادرة على امتصاص الصدمات. بل إن الضغوط الخارجية غالبًا ما تعزز التماسك الداخلى بدل تفكيكه.
تصريحات الرئيس الأمريكى التى بدت وكأنها تراهن على انهيار داخلى سريع قد تكون مبالغا فيها. حتى داخل الولايات المتحدة، بدأت أصوات فى الكونجرس تنتقد العملية باعتبارها أحادية وغير دستورية. التذكير بحرب العراق يعود بقوة فى الخطاب الإعلامى الأمريكى، خاصة مع التشكيك فى مدى سرعة التهديد النووى الإيرانى.
المفارقة أن عملية بحجم اغتيال خامنئى قد تمنح ترامب مخرجا سياسيا إذا قرر إعلان “تحقيق الهدف” والانتقال إلى احتواء دبلوماسى. لكن المشكلة إلى أى مدى ستسمح ايران بتحويل قائدها الراحل إلى مجرد ورقة فى خطاب انتخابى أمريكى.
السيناريو الأكثر ترجيحًا فى المدى القصير هو تصعيد واسع لكن مضبوط، تحاول فيه الأطراف إعادة رسم خطوط الردع الجديدة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا السيناريو هش للغاية. اغتيال شخصية بحجم خامنئى يرفع منسوب المخاطرة. فصاروخ يصيب هدفًا حيويا، أو ضربة تخرج عن الحسابات، قد تدفع الجميع إلى مرحلة لا يمكن احتواؤها بسهولة.
الشرق الأوسط يعيش منذ عقود على إيقاع الأزمات المؤجلة. لكن اغتيال قائد بحجم خامنئى قد يكون لحظة مفصلية تتجاوز كونها حلقة فى سلسلة تصعيد. الفارق الآن أن المعركة لم تعد فقط حول برنامج نووى أو توازن ردع، بل حول رمز وهوية وشرعية.
لا تحسم عدد الصواريخ اتجاه الحرب، بل تحسمها قدرة الأطراف على إدراك حدود القوة وحدود الرمزية. فحين تختلط الحسابات العسكرية بالرمزية العقائدية، يصبح التصعيد أسهل من التراجع، ويغدو الرد فعلًا متسلسلًا لا يملك أحد كبحه. والسؤال الذى سيبقى معلقا هو هل تملك العواصم الكبرى الشجاعة للتراجع خطوة لكسر حلقة الانتقام قبل أن تتحول المواجهة إلى قدر لا يمكن تجنبه؟