بقلم : عبد اللطيف المناوي
جزء مهم من النجاح الذى حققه برنامج «دولة التلاوة» يعود إلى أن المصريين ما زالوا يحنّون إلى زمنٍ كان فيه صوت القرآن جزءاً أصيلاً من وجدانهم، وأنهم ما زالوا يبحثون عن ذلك الصفاء الذى ميّز العصر الذهبى لقراء مصر الكبار.
تذكرت هذا المشهد وأنا أقرأ كتاب «مائة سؤال فى المنهج والعقيدة والشريعة»، الذى صدر بإشراف الدكتور نظير عياد، مفتى الديار المصرية، وتقديم المستشار محمد عبدالسلام، الأمين العام لمجلس حكماء المسلمين. فالكتاب، الذى يمثل ثمرة تعاون بين الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين، لا يلبى حاجة مصر وحدها، بل يلامس حاجة عربية أوسع إلى خطاب دينى رصين يواجه الأسئلة الصعبة بدلاً من تجاهلها.
نحن نعيش زمناً تتسارع فيه الأفكار والتحديات بوتيرة غير مسبوقة. عقول الشباب تتعرض يومياً لسيل من الأسئلة والجدالات والشبهات التى تنتشر عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل. ومع خطاب متشدد يثقل الدين بقيود وتعقيدات لا أصل لها، يصبح وجود مرجعية هادئة وعلمية أمراً ضرورياً لا غنى عنه.
أهمية الكتاب أنه يواجه الأسئلة، ويتعامل مع القارئ باعتباره عقلاً يستحق أن تُخاطَب تساؤلاته بالحجة والبيان. ولذلك فإن قيمة الكتاب الحقيقية ليست فى عدد صفحاته، بل فى منهجه الذى يقوم على الإيمان بأن الوعى هو السلاح الأول فى مواجهة التطرف والالتباس الفكرى.
الأسئلة التى يتناولها الكتاب ليست نظرية أو بعيدة عن الواقع، بل هى من صميم النقاشات التى تدور اليوم فى المجتمعات العربية. يناقش مفهوم تجديد الخطاب الدينى، وكيف يمكن أن يواكب العصر دون أن يتخلى عن الثوابت، ويتوقف عند قضية التكفير وشروطه الدقيقة لمنع التسرع فيه وحماية أرواح الناس، كما يتناول فكرة الدولة الحديثة وعلاقة الدين بها.
ولم يتوقف الكتاب عند هذه القضايا، بل وسّع النقاش ليشمل موضوعات أخرى لا تقل أهمية، مثل مفهوم الجهاد، ومواجهة ظاهرة الإسلاموفوبيا، وتوضيح موقف الإسلام من الأديان الأخرى، وترسيخ مبادئ المواطنة والعيش المشترك. كما يصحح كثيراً من المفاهيم التى أُسىء فهمها، مثل تقسيم العالم إلى «دار إسلام» و«دار كفر»، وهى تصورات لم تعد تعكس واقع العالم المعاصر.
أخطر ما نواجهه اليوم هو انتشار سرديات مضللة تروّجها جهات متعددة، بعضها منطلق من معاداة الدين، وبعضها يتحدث باسمه ويُحمِّله ما لا يحتمل. وفى الحالتين يصبح الوعى ضرورة لحماية العقول، خصوصاً الشباب.
صدور مثل هذا الكتاب ليس مجرد حدث ثقافى عابر، بل خطوة مهمة فى معركة الوعى التى نخوضها اليوم. فالمجتمعات التى تمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصعبة هى المجتمعات القادرة على حماية نفسها من الانغلاق والتطرف معاً.
وفى زمن تزداد فيه الضوضاء الفكرية، تبقى الحاجة قائمة إلى أصوات علمية رصينة تعيد النقاش إلى أرضه الصحيحة. وربما لهذا السبب تحديداً تبدو مثل هذه الكتب ضرورية.