بقلم:عبد اللطيف المناوي
تحولت باكستان، فى أعقاب الحرب الأخيرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، من لاعب كان يبدو هامشيًا فى معادلات الشرق الأوسط إلى قوة دبلوماسية واستراتيجية يصعب تجاهلها. لم يحدث هذا التحول لأن إسلام آباد امتلكت فجأة مشروعًا إقليميا كاملا، بل لأن الأزمة نفسها احتاجت إلى وسيط لا ينتمى تماما إلى المعسكر الغربى، ولا يُعد خصمًا لإيران، ولا يثير حساسية كاملة لدى الخليج، وفى الوقت نفسه يملك صلة عملية بواشنطن وبكين والرياض وطهران.
هذه هى المساحة التى دخلت منها باكستان. فالشرق الأوسط، فى لحظة ما بعد الحرب، لا يبحث فقط عن قوة عسكرية جديدة، بل عن قنوات اتصال قادرة على عبور خطوط العداء الصلبة. وفى هذا المجال، تمتلك باكستان ميزة نادرة. فهى دولة مسلمة نووية، ذات علاقة تاريخية بالولايات المتحدة، وشراكة استراتيجية عميقة مع الصين، وصلات مع الخليج، وحدود ومصالح مباشرة مع إيران. هذه التركيبة تجعلها مؤهلة للعب دور لا تستطيع كثير من العواصم الأخرى القيام به.
لكن هذا الدور لا يعنى أن باكستان أصبحت قوة شرق أوسطية بالمعنى التقليدى. فالفارق كبير بين أن تكون وسيطًا محوريا فى أزمة، وأن تصبح طرفًا دائما فى بنية الأمن الإقليمى. ما حدث هو أن الحرب رفعت قيمة الموقع الباكستانى، لكنها لم تمنح إسلام آباد تفويضًا مفتوحا لإدارة المنطقة.
الدور الباكستانى يقوم أساسًا على ثلاث وظائف: الأولى هى الوساطة. فقد وجدت واشنطن وطهران فى إسلام آباد قناة أقل حساسية من القنوات الغربية المباشرة، وأكثر قبولا من بعض القنوات الخليجية التى قد تراها إيران منحازة. ومن هنا جاءت أهمية الحديث عن «إعلان إسلام آباد»، ليس فقط بوصفه نصا تفاوضيا، بل بوصفه رمزا لدخول باكستان إلى قلب ترتيبات وقف النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
الوظيفة الثانية هى الطمأنة. فباكستان قادرة على مخاطبة إيران بلغة لا تشبه لغة التهديد الأمريكى، وفى الوقت نفسه قادرة على طمأنة السعودية والإمارات بأنها لا تتحرك ضد مصالح الخليج. وهذه نقطة بالغة الحساسية، لأن أى وساطة فى الأزمة الإيرانية لا يمكن أن تنجح إذا بدت كأنها تمنح طهران اعترافا مجانيًا بنفوذها الإقليمى أو بحق خاص فى هرمز.
أما الوظيفة الثالثة فهى التوازن. فباكستان تتحرك فى مساحة دقيقة بين الولايات المتحدة والصين. واشنطن تحتاجها لأن لها قدرة على الحديث مع إيران، وبكين تستفيد من دورها لأنه يحمى تدفق الطاقة ويمنع انفجارًا يضر بالاقتصاد الصينى. ولهذا يصبح الدور الباكستانى فى الأزمة جزءا من معادلة أكبر، لا تخص الشرق الأوسط وحده، بل ترتبط أيضًا بالمنافسة الأمريكية الصينية على إدارة الاستقرار العالمى.
ولكن هل هذا الانخراط بلا حدود؟ ومن يرسمها إن وجدت؟