بقلم : عبد اللطيف المناوي
الحكومة لديها ما تقوله، أسعار الخام ارتفعت، والبنزين والسولار ارتفعت تكلفتهما، والحرب فى المنطقة تضرب الممرات والإمدادات، والدولة تريد أن تتجنب تحميل المواطن صدمة سعرية جديدة أكثر قسوة.. هذا منطق مفهوم. لكن فى المقابل، المعترضون لديهم أيضًا منطق مفهوم، الإغلاق عند التاسعة قد ينقل العبء من فاتورة الطاقة إلى فاتورة البطالة وتراجع الإيرادات وانكماش الاستهلاك المحلى وضرب النشاط الليلى. والسياسة الرشيدة هنا ليست أن يعتبر كل طرف نفسه وحده صاحب الحقيقة، بل أن تعرض الدولة خلال أيام، لا أسابيع، تقديرًا واضحًا للكلفة والعائد، وتعلن مؤشرات متابعة أسبوعية، كم انخفض استهلاك الوقود؟ كم وفر القرار؟ وما أثره على القطاعات المتضررة؟ من دون ذلك، يظل القرار صحيحًا من حيث النية، لكنه ضعيف من حيث الإقناع العام.
ثم إن البدائل ليست صفرية. من الممكن نظريًا وعمليًا أن تكون هناك سلة أدوات أكثر تدرجًا من الإغلاق المبكر العام، تشديد ترشيد الإضاءة الحكومية والإعلانية أولًا، خفض أكبر لاستهلاك الأجهزة الحكومية والأساطيل الرسمية، إبطاء أوسع للمشروعات كثيفة الوقود، تسعير مرن لبعض الاستهلاكات التجارية المرتفعة بدل المنع المباشر، أو قصر الإغلاق المبكر على أنشطة ومناطق بعينها دون غيرها، أو تمديده إلى الحادية عشرة مثلًا بدل التاسعة فى المدن الكبرى مع قياس الأثر، بشكل دائم وليس فى الأعياد فقط كما سيحدث فى عيد القيامة.
سرعة الامتثال لا تعنى بالضرورة نجاح السياسة. وزارة التنمية المحلية تحدثت عن التزام وصل إلى ٩٥٪ فى اليوم الأول، وهذا مهم إداريًا، لكنه لا يجيب عن السؤال الاقتصادى. قد يكون القرار منضبط التنفيذ، لكنه ليس الأفضل اقتصاديًا. وقد يكون ناجحًا فى خفض الأحمال، لكنه ضعيف فى توزيع الكلفة بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع. النجاح الحقيقى هنا لا يقاس فقط بعدد المحال المغلقة فى موعدها، بل بمدى تحقق الوفر الطاقى دون إحداث ضرر غير متناسب فى الأعمال والعمالة والحياة الحضرية.
ولهذا فإن الموقف الأكثر اتزانًا ليس الرفض الانفعالى ولا الدفاع التبريرى. القرار فى جوهره ليس بلا منطق. مصر تواجه بالفعل صدمة طاقة حقيقية، والحكومة لها حق بل واجب أن تتحرك سريعًا. لكن السرعة لا تُغنى عن الشرح، والضرورة لا تُسقط حق المراجعة. وإذا أظهرت البيانات خلال أسبوعين أو ثلاثة أن الوفر محدود، أو أن كلفة الإغلاق على الأعمال والعمالة والحياة الاقتصادية الليلية أعلى من العائد المتحقق، فلا عيب على الحكومة أبدًا فى أن تعدّل القرار أو تخففه أو تستبدل به أدوات أذكى. التراجع عن قرار غير أمثل ليس ضعفًا، بل جزء من قوة الدولة الرشيدة. أما الإصرار على قرار لمجرد أنه صدر، فذلك هو ما يضعف الثقة أكثر من القرار نفسه. وفى لحظة ضاغطة كهذه، ربما يكون المطلوب من الحكومة ليس فقط أن تتخذ قرارًا، بل أن تُثبت للناس أن القرار قابل للمراجعة لأنه قرار دولة، لا قرار مكابرة.