بقلم : عبد اللطيف المناوي
منذ انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووى الإيرانى عام ٢٠١٨، لم يكن الخلاف مجرد خلاف تقنى حول التخصيب أو الرقابة، بل كان صراعًا سياسيًا وشخصيًا مع إرث باراك أوباما. بالنسبة لترامب، كان الاتفاق النووى الإيرانى ٢٠١٥ رمزًا لنهج ديمقراطى «متساهل» منح إيران المال والشرعية دون أن يوقف نفوذها الإقليمى أو مشروعها الصاروخى.
لكن المفارقة اليوم أن ترامب نفسه قد يجد نفسه أمام اتفاق جديد مع طهران، يحتوى، وفق التسريبات، على عناصر ليست بعيدة تمامًا عن جوهر اتفاق أوباما، وإن جاء فى سياق مختلف تمامًا.
اتفاق أوباما قام على فلسفة واضحة، احتواء إيران عبر الدبلوماسية والانفتاح الاقتصادى. لذلك ركز على الملف النووى فقط تقريبًا. خفض نسب التخصيب، تقليص أجهزة الطرد المركزى، فرض رقابة دولية. مقابل رفع العقوبات وإعادة دمج إيران. اقتصاديًا. لكنه تجاهل ملفات شديدة الحساسية مثل الصواريخ الباليستية، النفوذ الإيرانى فى المنطقة وأمن الخليج.
أما ترامب فقد تحرك بعقلية مختلفة، «الضغط أولًا ثم التفاوض». انسحب من الاتفاق، وفرض سياسة «الضغط الأقصى»، معتقدًا أن العقوبات ستجبر إيران على قبول اتفاق أكثر صرامة. لكن السنوات التالية أظهرت أن إيران لم تستجب، بل رفعت مستويات التخصيب، ووسعت أوراقها الإقليمية، ووصل التوتر إلى حافة مواجهة مباشرة، خاصة بعد أزمة مضيق هرمز.
وهنا بدأت ملامح الاتفاق الجديد المحتمل. الفارق الأساسى أن الاتفاق الحالى، إذا تم، لن يكون نوويًا فقط، بل أمنيًا وإقليميًا أيضًا. الحديث يدور عن وقف التصعيد العسكرى، تأمين الملاحة فى مضيق هرمز، تخفيف العقوبات، تجميد أو تقليص التخصيب وربما تفاهمات غير معلنة حول السلوك الإقليمى الإيرانى.
أى أن اتفاق أوباما كان محاولة لمنع إيران من امتلاك قنبلة نووية، بينما اتفاق ترامب يبدو أقرب إلى محاولة لمنع المنطقة كلها من الانفجار.
لكن أى الاتفاقين أقوى؟ من الناحية التقنية، قد يبدو اتفاق ترامب أكثر تشددًا، إذا صحّت التسريبات حول القيود الأطول والرقابة الأوسع وربط العقوبات بالسلوك الأمنى الإيرانى. إلا أن هناك فارقًا مهمًا، اتفاق أوباما وُلد فى مناخ تفاوضى ودولى أكثر استقرارًا، بينما يأتى اتفاق ترامب بعد حرب وتهديدات وانعدام شبه كامل للثقة. لذلك قد يكون الاتفاق الجديد أقوى أمنيًا، لكنه أضعف سياسيًا وأكثر هشاشة.
لن يسوق ترامب الاتفاق باعتباره «تسوية»، بل باعتباره نتيجة مباشرة للقوة الأمريكية. سيقول إن أوباما فاوض إيران من موقع ضعف ومنحها الأموال، بينما هو أجبرها على العودة إلى الطاولة تحت الضغط والعقوبات والتهديد بالحرب. أوباما، وفق رواية ترامب، حاول شراء الهدوء بالدبلوماسية، أما هو فسيفرضه بالقوة أولًا ثم يتفاوض. المفارقة أن ترامب، الذى قضى سنوات يهاجم اتفاق أوباما، قد يجد نفسه فى النهاية أمام نسخة معدلة من الفكرة نفسها، لا حرب شاملة مع إيران، ولا قدرة على تجاهلها بالكامل. ويبقى الفرق الحقيقى ليس فقط فى نص الاتفاق، بل فى الطريقة التى سيُروى بها للرأى العام الأمريكى والعالمى.