بقلم : عبد اللطيف المناوي
حادثة وضع اسم ترامب على مركز كينيدى تظهر رجلاً أراد أن يضع اسمه على ذاكرة ليست ملكه، فجاء القانون ليزيله.
شخصية ترامب، كما يراها مؤيدوه، هى شخصية الرجل الذى لا يعتذر عن حضوره، ولا يخجل من طموحه، ولا يخاف من كسر التقاليد. وكما يراها خصومه هى شخصية لا تستطيع التمييز دائمًا بين الدولة والذات، ولا بين المنصب والملكية، ولا بين التاريخ والدعاية. وبين الرؤيتين، يظل الثابت أن ترامب رجل مسكون بفكرة الاعتراف. يريد أن يعترف به الجميع، خصومه قبل أنصاره، المؤسسات قبل الجماهير، التاريخ قبل الحاضر.
ولعل هذا ما يفسر جزءًا من علاقته المعقدة بالرموز. فهو لا يريد فقط أن يحكم، بل أن يُرى وهو يحكم. لا يريد فقط أن يقرر، بل أن يُنسب القرار إليه وحده. لا يريد فقط أن يبقى فى الأخبار، بل أن يُجبر المستقبل على تذكّره.
ومن هنا تأتى رغبته فى ترك آثار مادية، اسم على مركز، صورة على عملة، قاعة فى البيت الأبيض، مشروع ضخم فى واشنطن. كأن السياسة، بالنسبة إليه، ليست فقط إدارة دولة، بل معركة ضد النسيان. والنسيان هو العدو الأكبر لكل من يرى نفسه أكبر من اللحظة التى يعيشها.
ربما لهذا بدت إزالة الاسم وكأنها هزيمة رمزية أكبر من حجمها القانونى. لم يُسقط القضاء إدارة، ولم يلغِ مشروعًا سياسيًا كاملًا، بل أزال حروفًا من واجهة. لكن هذه الحروف كانت تحمل معنى يتجاوز وزنها المعدنى. كانت تقول إن ترامب يريد أن يكون حاضرًا فى المكان حتى عندما لا يكون حاضرًا فيه. وعندما أُزيلت، بدا كأن المؤسسة تقول له، يمكنك أن تكون رئيسًا، لكنك لا تستطيع أن تكون اسم كل شىء.
هناك أيضًا سؤال مهم، ماذا يريد ترامب أن يترك فى التاريخ الأمريكى بعد رحيله؟ هذا إذا كان يظن فعلًا أنه سيرحل بالمعنى السياسى والنفسى للكلمة. فبعض القادة يغادرون المنصب، لكنهم لا يغادرون فكرة السلطة. يخرجون من المكتب، لكن المكتب لا يخرج منهم.
يريد ترامب أن يترك فى التاريخ صورة الرجل الذى غيّر قواعد اللعبة، وكسر المؤسسة، وتحدى الإعلام، وأعاد تعريف العلاقة بين الزعيم والجمهور. يريد أن يُذكر باعتباره الرئيس الذى لم يخضع لواشنطن، بل أخضعها له.
قد يتذكره أنصاره باعتباره رجلًا واجه «الدولة العميقة» وانتزع أمريكا من النخب التقليدية. وقد يتذكره خصومه باعتباره رئيسًا حوّل السياسة إلى عرض دائم، وخلط بين الوطنية والولاء الشخصى، وبين المؤسسة والعلامة التجارية.
لكن فى النهاية، لم تكن إزالة اسم ترامب من واجهة مركز كينيدى مجرد تنفيذ لحكم قضائى. كانت لحظة رمزية فى الصراع بين الطموح الشخصى وحدود الجمهورية.
وقد تكون المفارقة أن ترامب، بسعيه الدائم إلى تخليد اسمه، يمنح خصومه مشاهد لا تُنسى. فربما لا يتذكر الناس طويلًا متى وُضع الاسم على الواجهة، لكنهم سيتذكرون جيدًا لحظة إزالته.