توقيت القاهرة المحلي 00:28:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كيانات موازية للدول

  مصر اليوم -

كيانات موازية للدول

بقلم:جمال الكشكي

كان تفكيراً عقيماً أن تسمح الدول الوطنية بأحزاب وقوات عسكرية، فالأحزاب السياسية تتنافس على قيادة المجتمع، أو تطمح إلى ذلك، لكن لا يجوز لها أن تتحول إلى ثكنة عسكرية، أو تمتلك السلاح، فقد كان قراراً خطيراً من قِبل الذين سمحوا بذلك، ورأينا نتيجة التجارب في دول؛ منها لبنان واليمن.

تلك الحالة جعلت لبنان محطة للتدخلات الخارجية، وأبرزها الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، منذ السبعينات إلى الآن، غير أن تلك التدخلات قادت الدولة اللبنانية إلى أوضاع هشّة، جعلتها لا تستطيع أن تتوقف عن الركض في دوران التحالفات الخارجية والداخلية، من أجل البحث عن استقرار، لكن دوامة هذه التحالفات كانت أسرع دوراناً من أحلام اللبنانيين.

إنه مرض لا عرض حين يفكر بعض الناس في أي مجتمع بتكوين ميليشيات أو منظمات عسكرية، حتى لو كانت تلك المنظمات تدّعي براءة نياتها، أو تبرر الدفاع عن الدولة والمجتمع، رأينا ذلك طوال الحرب الأهلية اللبنانية، فقد تشكّلت ميليشيات، ومنظمات، وجماعات، وعدّت السلاح شرعياً، ذلك السلاح الذي استخدم طوال خمسة عشر عاماً في حرب ضروس، قتل فيها الإخوة بعضهم بعضاً، وانتهى إلى تكريس وضع شائن تمتلك فيه الأحزاب، والجماعات، أسلحة ثقيلة.

الأدبيات السياسية كثيراً ما تُطلق على الحالة اللبنانية «اللبننة»، استشهاداً بحالة البلقنة التي سادت طويلاً في دول البلقان الأوروبية، والتي كانت تشبه الفسيفساء من الأعراق، والألسنة، والأديان، وكثير من المثقفين والمفكرين حذّروا من لبننة أو صوملة المنطقة العربية بالكامل، وقبل ذلك، كانوا يتمنون أن يعود لبنان رئة للعرب في الفكر والثقافة، كما كان دائماً، لكن المخططين ما زالوا مصممين على اختطاف الحالة اللبنانية، وتحويلها إلى شكل عربي معتاد.

رأينا تناسل وتناسخ هذه الفكرة في أكثر من بلد عربي، العراق مثلاً، بعد الغزو الأميركي 2003، جرت فيه الحالة نفسها، حينما امتلكت الأحزاب السياسية والجماعات والتنظيمات أسلحة خاصة موازية لسلاح الدولة، فسالت الدماء، وتصاعدت الطائفية، والعرقية، ولا تزال الحالة العراقية تبحث عن الاستشفاء، فقد قررت الدولة أخيراً، حصر السلاح بين مؤسسات الدولة وحدها، ولعلها تفلح في ذلك، فالدولة، كما قال الألماني ماكس فيبر، هي الوحيدة التي لها الحق في امتلاك السلاح واستخدامه، وممارسة العنف، إذا استوجب الأمر ذلك.

وإذا ابتعدنا عن العراق لوجدنا أن الحالة السودانية هي النموذج والمثال في هذا الجانب، فقد وقعت أحداث دارفور الدموية منذ عام 2003، وحصدت أرواحاً تُقدّر بأكثر من 300 ألف قتيل، حسب بعض الإحصاءات الدولية، وكانت النتيجة تضخم الميليشيات المسلحة، وفي لحظة معينة صارت تلك الميليشيات جزءاً من الدولة الرسمية، لكنها في لحظة أخرى، كعادة تلك الميليشيات تمردت وحاربت مؤسسات الدولة الرسمية نفسها، المتمثلة في القوات المسلحة السودانية، واعتقدت أنها البديل الجاهز الموازي للدولة السودانية.

ولا شك أن هذا المفهوم يضرب مفهوم الدولة الوطنية في الصميم، فلا نظن أن هناك دولة أوروبية واحدة تسمح في الأساس بتكوين أحزاب أو ميليشيات عسكرية، حتى لو كانت تقوم بدور لصالح هذه الدولة، فالظاهرة دائما ترتد إلى صدور صانعيها، نستطيع أن نضرب عشرات الأمثلة. في اليمن أيضاً كانت هناك ميليشيات دخلت الحرب ضد الدولة الوطنية، في أكثر من ست جولات، وأخيراً ابتلعت الدولة نفسها، واتخذت من نفسها منبراً يتخذ قرار الحرب والسلام، في الداخل والخارج، والذي يعاني هو الشعب اليمني، الذي وجد نفسه ضحية قصف أميركي-إسرائيلي في لحظات معينة، وحروب بينية بين الشمال والجنوب، ولعل ما يؤكد أن فكرة الميليشيات خطيرة هم ضحايا العشرية السوداء في الجزائر، وكذلك ما جرى في ليبيا من انقسام بين شرق وغرب، وما يجري في سوريا الآن، من محاولات للتطاول على الدولة ومحاولة تفتيتها.

إن استقرار خرائط الإقليم يتطلّب نظرة عميقة، تشطب مفهوم وفلسفة فكرة الدول الموازية داخل الدول.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيانات موازية للدول كيانات موازية للدول



GMT 08:30 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

نيل من الكوميديا

GMT 08:28 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

فرض السلم بالحرب!

GMT 08:26 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

GMT 08:24 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 08:23 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 08:20 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 08:17 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

«مجلس ترامب».. أى مستقبل ينتظره؟!

GMT 08:15 2026 الجمعة ,30 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم

GMT 06:45 2026 الأربعاء ,28 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 28 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 11:28 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 14:46 2018 الأربعاء ,02 أيار / مايو

قصور رقابي

GMT 21:45 2017 الأربعاء ,27 كانون الأول / ديسمبر

عبد الحفيظ يؤكد ثقته في عودة الأهلي لطريق الإنتصارات

GMT 19:22 2021 الثلاثاء ,19 كانون الثاني / يناير

بنك مصر يوقع اتفاقية قرض مع بنك الاستثمار الأوروبي

GMT 01:48 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

كليب راسمك في خيالي لـ محمد حماقي تريند رقم 1 على يوتيوب

GMT 23:07 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

علي فرج يتأهل إلى نصف نهائى بطولة مصر الدولية للإسكواش
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt